عمّار الأحمد
قال أوباما: لا حل
للوضع السوري في عهدي، وقال غير ذلك أيضاً. السياسة الأمريكية وفي أحسن الأحوال لا
تخرج عن الدعوة المتكررة إلى الحل السياسي. إذاً، كل دعم عسكري يجب أن يخدم الحل
السياسي. وداعش هي هدف الأمريكان، وفي هذا الهدف تلتقي السياسة الأمريكية والإيرانية
والنظام السوري؛ إيران عملت لظهور داعش والأمريكان يبررون باسم داعش ضرورة الوقوف
ضد الثورات ويساهمون في إعادة إنتاج نظامي سورية والعراق. أمريكا إذاً ترى سورية
من زاوية الخلاص من داعش أولاً، وإعادة إنتاج النظام بالتوافق مع المعارضة ووفق
جنيف. على المعارضة أن تفهم ذلك وتنتهي من الأوهام بأن أمريكا غيّرت موقفها وتريد
إسقاط النظام.
الخلاف الخليجي، والذي تكرر في قمة كامب ديفيد
الأخيرة، يؤكد أن الدول الخليجية تبتعد عن أمريكا وتريد تحقيق توازن إقليمي مع
إيران. ويأتي التدخل في اليمن ودعم تشكيل جيش الفتح في سورية، والتضييق على حزب
الله في لبنان في هذا الإطار. يشكل تكرار أوباما أن على الخليجيين الاهتمام
بشؤونهم الداخلية عاملاً إضافياً لازدياد الابتعاد بينهما، فأوباما يهدد الممالك
بطريقة ذكية ويضرب بمكان دقيق، ولكن هدفه هو الموافقة على السياسة الأمريكية
الأخيرة وإشراك إيران كفاعل إقليمي في المنطقة، وليس تحسين وضع حقوق الإنسان في
دول الخليج. وهذا ما تعرفه جيداً تلك الدول، وتبتعد عن أمريكا نسبياً ولكن دون أي
توتر قد يصل إلى مستويات كبرى. ففي النهاية، يبقى الخليج ضمن المجال الدولي
لأمريكا.
الخليجيون، ولأول مرة، يهتمون بإنهاء الحرب في
سورية، وينسقون مع الأتراك والقطريين من أجل هذا الهدف. وفعلاً ساهم ذلك في
انتصارات متلاحقة ضد النظام، وضعف الأخير تلاحظه كافة الأقلام المحايدة، وفي كافة
المدن السورية. الخليجيون يتحركون، ورغم أن أمريكا تمانع إسقاط العاصمة والحل
العسكري، إلا أنها لا تمانع السياسة الخليجية، فهي في النهاية مفيدة للضغط على
إيران من أجل توقيع الاتفاق النووي والتوازن الإقليمي كذلك. هذه البراغماتية
تستفيد منها دول الخليج، وكذلك أمريكا. وهي بكل الأحوال لا تتناقض مع الخطوط الحمر
الأمريكية. من هنا يمكن قراءة ذهاب وزير الخارجية الأمريكية إلى روسيا وفي جدول
محادثاته الوضع السوري والحل السياسي وفق جنيف، وإلا فإن النظام قد ينحسر أكثر
فأكثر وتتعرض مصالح الروس للخطر في المستقبل!
إذا، “ثرثرة” أوباما بأن لا حل لسورية
قريباً قد تكون إحدى التصريحات التي لا يتوقف عن إطلاقها والتي تبدو في بعض
الأحيان متناقضة، كأن يتكلم عن انتهاء شرعية النظام ثم يصرح بما قلناه في بداية
المقال، وهكذا. الحل السياسي الآن تتوفر له شروط جديدة متمثلة في ضعف النظام
الواضح، وفي تقدم المعارضة بسبب التنسيق الإقليمي الكبير.
تكثر المؤشرات عن مؤتمر الرياض القادم، وأنه سيرسم
ملامح ما بعد النظام، أي أن قرار الحل السياسي أصبح أكثر من محسوم. وما يجري العمل
عليه هو تأمين بديل للنظام يسمح بالتغيير فيه وبما يضمن مصالح الفئات التي تشكل
النظام. مؤتمر الرياض، كما يبدو، لا يتجاهل ذلك، وبما يتوافق مع جنيف. ومن هنا جاء
الرفض لمشاورات ديمستورا الأخيرة والتي تخلط كل الأوراق، وتسمح بتعددية واسعة في
المعارضة بما يشتت كل جهد جماعي لها وربما ينسف جنيف 1 أيضاً.
الرياض ودول الخليج وتركيا، وربما فرنسا، تريد إنهاء
الملف السوري. وربما تسابق الريح قبل إقرار الاتفاق النووي مع إيران، وحصول الأخيرة
على أموال ستدعم بها حلفاءها، ولا سيما النظام السوري. وهناك قراءة أخرى، وتقول إن
إيران ذاتها أوقفت دعمها للنظام، فلم ترسل له أموالاَ منذ بداية 2015، وخساراتها
العسكرية الكبيرة في حلب ودرعا تدفعها لتطرح على النظام ضرورة التفاوض، وهذا لا
يتناقض مع تسريبات تقول بأن على النظام أن ينسحب من حلب ودرعا وينحصر تواجده في
دمشق وقسم من حمص وحماه وطرطوس واللاذقية، وأن يتخذ موقفاً دفاعياً عنها إلى أن
تحدث المفاوضات الفعلية ويكون للنظام تمثيل في نظام الحكم القادم. طبعاً لا إمكانية
لتقسيم طائفي، وربما يكون هناك تمثيل مناطقي ولكنه سيكون ضمن الحكم القادم. الوضع
السوري بأكمله لا يسمح بتقسيم ما ولا يسمح بالاستقرار والبدء بالإعمار دون نظام
جديد تتمثل فيه كافة المدن السورية، ومنها مدن الساحل أو مدن الشمال.
الرياض ودول الخليج وتركيا، وربما
فرنسا، تريد إنهاء الملف السوري. وربما تسابق الريح قبل إقرار الاتفاق النووي مع
إيران
الفهم السعودي ينطلق بالضرورة من المثال اللبناني
للحل في سورية، وكذلك الأمريكي والتركي والقطري. أي أن المعد لسورية نظام أقرب
للطائفي، وإن لم يكن نسخة طبقة الأصل عن لبنان أو العراق. وفي حال كان كذلك،
فسيكون وصفة للحرب لا للحل السياسي. ولكن وبعيداً عما تريد هذه الدول، فإن الحكم
الوحيد والمتوافق مع السوريين هو المطابق لأهداف ثورتهم، أي نظام مدني يقوم على
مبدأ المواطنة، ويُبعد فيه أي ملمح لنظامٍ طائفي. نظامٌ كهذا لا يمكن أن يلقى
اهتماماً جديّاً، وبالتالي ستتجدد الحروب في سورية. وكذلك لا يمكن قبول بقاء رجال
النظام الحاليين ممثلين في نظام الحكم القادم، كما تريد المبادرة المصرية، والتي
يشاع أن السعودية ليست ضدها، وربما تدافع عنها في مؤتمر الرياض القادم.
بكل الأحوال هاتين النقطتين يجب طويهما، وإلا فإن
هناك احتمالات استنقاع الوضع أكثر فأكثر، وحروب ربما تتخذ وجهاً طائفياً أكثر،
وتدخل إقليمي أكبر ودمار وقتل أكثر، وتعاظم الجهادية بشكل موسع؛ تغييب الشعب يسمح
بكل ذلك. والشعب معذور، فما تعرض له يمنع حضوره مجدداً. فقط إيقاف الحرب تسمح
بعودته، وربما مساهمته في تحقيق أهداف ثورته مجدداً.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث