اعتُبرت كوريا
الجنوبية، حتى نهاية الستينات من القرن العشرين، من بلدان العالم المتخلف. فقد
عانت من الاحتلال الياباني ووقعت البلاد في حالة من الفوضى السياسية والكارثة الاقتصادية
والدمار الذي أصاب العمران، حتى اعتبرت وقتذاك من أفقر دول العالم بمتوسط دخل فردي
لا يتجاوز 80 دولارا سنويا. وما لبثت بعد الانتهاء من الاحتلال الياباني عام 1945، أن
دخلت عام 1950 إلى 1953 بحرب مدمرة مع كوريا الشمالية، خرجت منها بحالة مأساوية
تشبه الحالة الكارثية التي وصلت إليها سوريا على يدي النظام الحاكم في العصر
الحديث.
وفي عام 1961م استلم
حكم كوريا الجنرال بارك تشونغ لتبدأ معه البلاد مرحلة التأسيس الأولى في تاريخها
للنهضة والحداثة والتقدم الاقتصادي، اعتمد فيها الجنرال الخطوط الرئيسية التالية:
أولا: تأسيس
“مجلس التخطيط الاقتصادي”، الذي جمع فيه خيرة المختصين والكوادر الإدارية. بدأ هذا المجلس بوضع رؤية وأهداف وبرامج وسياسات
واستراتيجيات لحل مشكلات الفقر والتمنية وبناء مؤسسات الدولة الحديثة.
ثانياً: تشكيل
لجان في كل الوزارات والأقاليم تعمل على تتبع تحقيق الأهداف والاستراتيجيات.
ثالثاً: بسبب من
فقر بلادهم وشح الموارد الطبيعية فيها، أستوعب الكوريون ضرورة الاستناد والاعتماد على تنمية رأس
المال البشري، فوضعوا خطة طويلة الأمد للتعليم والتطوير والتدريب والاستثمار في
الكادر البشري، وبدأوا بالارتقاء بالمستوى التعليمي لطلابها وتدريبهم
على مهارات العمل والإتقان والالتزام والتكوين المهني بشكل متواص. كما أرسلوا الطلاب للتعليم في أمريكا وأوروبا والموظفين
للتدريب المهني حتى وصل الإنفاق على التعليم والتحصيل المهني إلى أرقام قياسيه شكلت
ربع الميزانية الحكومية لعام 1980.
رابعاً: عملت الحكومة
على إيجاد توافق وعقد شراكات مع القطاع الخاص، للمساهمة معاً في الإعمار وتطوير الأعمال
وإنتاج السلع والخدمات تحول من خلالها القطاع الخاص إلى شريكٍ للحكومة يتحمل
المسؤولية الوطنية في تطوير التعليم والتدريب وتقديم الخدمات الاجتماعية.
وبفضل هذا النهج
وهذه السياسات، أصبحت كوريا الجنوبية بعد أقل من نصف قرن، دولة عصرية ذات اقتصاد
قوي بناتج محلي إجمالي وقدره تريليوناً و304 مليارات دولار، حسب بيانات البنك
الدولي، لتحتل المرتبة 14 عالمياً لعام 2014 م، وبمتوسط دخل فردي مقداره 30 ألف
دولار سنوياً، لتصبح كذلك من الاثنتي عشرة دولة الأولى في العالم بمقياس التنمية
البشرية. وتمتلك شركات عابرة للقارات ذات قوة صناعية وتجارية وعلمية متميزة دولياً، ومركز استقطاب وجذب استثماري عالمي.
لقد أصبح التعليم
في كوريا الجنوبية ظاهرة متجذرة، واحتلت جامعاتها مراكز مهمة عالمياً بين المائة جامعة
الأولى في العالم، ومراكز بحوث متقدمة وصلت إلى المرتبة الرابعة دولياً من حيث قوة
الطلب على منتجاتها، كمؤشر على دور العلم والتعليم والبحوث في العملية الإنتاجية
ودينامية الاقتصاد وتطوره.
بعد هذا
الاستعراض الموجز عن كوريا الجنوبية حول واقع الدولة المدمرة بعد الحرب العالمية
الثانية وحالة البؤس والشقاء والفقر، نرى أنه واقع قريب من الحالة السورية حالياً والتي
حل فيها الدمار والخراب بكل مقومات الدولة السورية، ومازال الصراع مع نظام
الاستبداد والصراع المسلح على السلطة قائما فيها. صراع يفتك ليس فقط بمقومات وجود
الدولة المادية، وإنما بنسيجها الاجتماعي والروحي. أربعة ملايين مهجر في الخارج
وأكثر من 7 مليون نازح داخل البلاد. وتهيمن على البلاد عصابات القتل والنهب ابتداء
من النظام الحاكم إلى كتائب مسلحة نشأت على أرضية العنف وإرهاب الدولة المنظم. 80%
من السكان تحت خط الفقر و3 مليون طفل خارج حقل التعليم، وقد تحولت الجامعات إلى
مراكز فساد وإفساد، كغيرها من مؤسسات الدولة.
حالة مأساوية
فريدة من نوعها في التاريخ المعاصر. ولكنها ليست بعيدة عن حالات بلدان مرّت بمثل هذه
الظروف العصيبة واستطاعت أن تخرج من الأزمة وتصبح في مصاف الدولة المتقدمة. هذه هي
كوريا الجنوبية، وسنتابع في المقالات القادمة استعراض تجارب دولٍ أخرى. ومهما طالت
المأساة السورية، فجولتنا القادمة ستكون مع التقدم، أن أخذنا من التجربة
الكورية العبر والدروس.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث