الرئيسية / تحقيقات / الدواء في حلب شحٌ بالمواد، أسعارٌ ملتهبة، ومازال التصدير مستمراً…!

الدواء في حلب شحٌ بالمواد، أسعارٌ ملتهبة، ومازال التصدير مستمراً…!

نهجت حكومة النظام، ومنذ اندلاع
الشرارة الأولى للثورة السورية على تطمين القاعدة الموالية لها، وذلك من خلال توصيف
كل ما يدور بالبلاد على أنه “أزمة في طريقها للحل”، تطبيقاً وكما يبدو
للقاعدة الطبية التي تقول “إن الاطمئنان نصف الدواء”. وبعد دخول الثورة
السورية عامها الخامس، عجزت تلك الحكومة عن توفير ع
املي الأمان
والاطمئنان الذين يمثلان نصف الدواء الأول وفق القاعدة السابقة، فبعد أن حققت
البلاد الاكتفاء الذاتي من الأدوية، وبعد تربعها عام 2010 في المرتبة الثانية
عربياً كمصدّر للدواء، حدث ما حدث..

تتركز صناعة الأدوية السورية في المدن الرئيسية، أي في دمشق وحلب وحمص. بيد أن حلب
حازت على النسبة الأكبر من نصيب تلك الصناعة، فقد وصلت أعداد المعامل الدوائية في
حلب إلى 33 معملاً، من أصل 63 معملاً كان قائماً فوق الأراضي السورية ككل.

وعلى الرغم من خروج ثماني معامل أدوية في مدينة
حلب عن الخدمة بسبب القصف، والأحوال السائدة، إلا أن بقية المعامل ليست بأفضل حال.
فالكثير من المعامل المتبقية تعمل بنسب متفاوتة، ووفق الموارد المتاحة من المواد
الأولية والطاقة.

في وقت ليس ببعيد، وصلت أدوية سوريا المصدرة لحوالي
57 دولة عربية وعالمية، لكنها اليوم باتت عاجزة عن تلبية حاجة أسواقها الداخلية. حيث
انخفضت نسبة التغطية بالدواء المنتج محلياً إلى ما دون الـ 85 % من إجمالي احتياجات
السوق المحلية، بعد أن وصلت تلك النسبة إلى حوالي الـ 93%، قبيل اندلاع الثورة، وذلك
وفق أرقام رسمية مشكوك في صحتها صدرت عن حكومة النظام. كيف لا وهذه الأخيرة لا تتوانى
عن وصف الواقع الدوائي السوري بـ “الممتاز”، وذلك على لسان وزير الصحة السابق،
سعد النايف، متجاهلاً الواقع الصحي المتأزم على الأرض.

صعوبة واقع الصناعة الدوائية في الوقت الراهن، تكشفه
تصريحات أخرى لشخصيات محسوبة على النظام السوري، كان آخرها تصريح فارس الشهابي، رئيس
اتحاد غرف صناعة سوريا لجريدة الوطن المقربة من النظام. حيث قال، وهو المنحدر من مدينة
حلب، والمالك لأحد معامل الدواء أيضاً: “إن نحو 40 معملاً دوائياً لا يستطيعون
الآن استيراد موادهم الأولية، بسبب عدم منحهم المخصصات اللازمة. ولذلك فإن أي نقص في
الإنتاج الوطني للدواء ستتحمله الحكومة وحدها”. مضيفاً: “أن نصف معامل الأدوية
السورية الواقعة في مدينة حلب، لا تعمل بشكل منتظم”.

شُحّ واحتكار…

“تتم تغطية حاجة السوق المحلية في المناطق
المحررة لحلب، عن طريق الدواء المنتج محلياً والدواء المستورد من الخارج، والذي
يأتي عن طريق الدعم الإغاثي والتجارة”، يقول الدكتور عبد الرزاق درويش، مدير
بنك دم مدينة حلب، التابع لمديرية صحة حلب الحرة. ويبين في حديثه لـ “صدى
الشام”، بالقول: “عموماً هذه الأدوية بشقيها المحلي والمستورد لا تسد
حاجة السوق المحلية. فالكثير من الأدوية المتعلقة بعلاج “حالات الربو،
العناية بالحوامل، أدوية السرطان”، هي مفقودة تماماً في السوق المحلية”.

بالمقابل يرى الصيدلاني حمزة بكور، أن “النقص
الحاصل في الأدوية لم يصل إلى مستوى الوضع العام للبلاد بعد. فالكثير من الأدوية
متوفرة، وبأسعار لازالت في متناول الجميع”. لكنه في الوقت ذاته يشير إلى فقدان
أصناف محددة، يعتبرها نوعية إلى حد ما، من أهمها الأدوية المتعلقة
“بالحوامل”.

ويبدو البكور متذمراً حين يقول: “لا تكمن
مشكلتنا في قلة التصنيع، بل المشكلة تختصر بالاحتكار. فالكثير من الموزعين يمارسون
الاحتكار، مستغلين صعوبة المواصلات، وقلة المنافسين. فضلاً عن احتكارهم للمصدر، أي
المعامل، التي تعتبر المسؤولة الأولى أيضاً”. ويتساءل البكور: “كميات
كبيرة من الأدوية المنتجة محلياً تصدر للعراق حالياً. فعن أي نقص نتحدث؟ المشكلة
الأساسية هي الجشع، وغياب الرقابة عن كل ما يجري”.

في سياق مواز، تضيف صعوبة المواصلات بين حلب
ومدينة دمشق وحمص، مراكز المعامل الدوائية المتبقية، أعباء إضافية لجهة وصول
الأدوية المنتجة المحلية إلى المدينة.

أدوية مستوردة باهظة الثمن، بعيدة
عن الرقابة الصحية

تخبرنا إحدى الطبيبات المختصة بالأمراض النسائية،
أنها تقع في حيرة من أمرها عند ما تريد كتابة الوصفة الصحية للمرض، فالكثير من
أدوية المضادات الجرثومية والفيروسية ومثبتات الحمل هي أدوية غير متوفرة. وأما ما يتوفر
منها فهو دواء أجنبي مرتفع الثمن. وتضيف: “الفقر هنا مستحكم. والكثير من
النساء غير قادرات على شراء الأدوية المحلية. فكيف بالمستوردة المرتفعة الثمن!”.

أما عبد الغني، وهو معلم مدرسة، فلديه معاناة من
نوع آخر يرويها لـ “صدى الشام”، فأمه العجوز مصابة بمرض مزمن، وهي بحاجة
مستمرة إلى أدوية القلب والسكري ومرممات المفاصل، وجميعها، كما يقول، لا تتواجد
بسهولة في الصيدليات، وخصوصاً العقار المرمم للمفاصل المنتج محلياً. بالتالي بات
يعتمد على العقار المستورد، وهو مرتفع الثمن، حيث يصل سعر العبوة الواحدة منه
لحوالي الـ 4000 ليرة سورية.

وتغيب الإجراءات الرقابية على الأدوية المستوردة،
حيث تدخل غالبية هذه الأدوية البلاد بطرق غير شريعة، وبشكل بعيد عن أدنى أشكال
الرقابة الصحية.

وتساهم المشافي الميدانية بشكل كبير، في تعويض
نقص الأدوية الحاصل، عن طريق الأدوية التي تجلبها هذه المشافي من مؤسسات إنسانية إقليمية
ودولية مهتمة بالشأن الإنساني السوري.

تصدير لدول مجاورة والسوق عطشى

بالتزامن مع فتح الحدود السورية العراقية بعد
سيطرة تنظيم الدولة على مساحات مشتركة بين البلدين، نشطت حركة التجارة المتبادلة
غير المراقبة. وكثير من المواد التي لازالت تنتج في بعض المعامل المتبقية في مدينة
حلب، تذهب إلى السوق العراقية عن طريق التجار المحميين بشبكة علاقات مع الأطراف
المسيطرة، الممثلة بالمعارضة وتنظيم الدولة على حد سواء.

وفي سبيل تحقيق أعلى قدر من الأرباح، يصدّر الكثير
من تجار الأدوية المحليين والمستودعات الدوائية القسم الأكبر من الأصناف التي
يحتكرونها إلى الأراضي العراقية. وهو الأمر الذي زاد من ارتفاع أسعار الأدوية في
السوق المحلية.

وللوقوف عند حجم هذه الصفقات، وتأثيرها على
السوق الداخلية، يوضح “حسام عباس”، مالك أحد المستودعات الطبية في ريف
مدينة حلب، أن “أكثر المواد الطبية التي تذهب إلى السوق العراقية، هي أدوية
السكري والمستحضرات الطبية، فضلاً عن الأدوية المسكنة”.

أما بخصوص انعكاسات هذه الصفقات على السوق
الداخلية، فيبيّن عباس أن “التأثير المباشر، والأكثر ملامسة للمواطن، يتمثل
في ارتفاع أسعار الأدوية محلياً. وخصوصاً أن أسعارها في العراق تفوق الأسعار
المحلية بمعدل الضعف إلى الضعفين في بعض الأصناف. وعلى هذا، يمكن القول إن الكثير
من التجار يفضل البيع للمهربين، على اعتبار أن الكميات التي يطلبونها هي كميات
كبيرة، علاوة على السعر المرتفع أيضاً”.

ووفق عباس، فإن “هذه الصفقات تتم بطريقة
علنية وعبر الأراضي السورية، أو عبر الأراضي التركية، التي تمثل خط الربط بين
محافظة حلب والعراق المجاور”.

من جهته وصف الصيدلاني “طه عياط ”
تهريب الأدوية إلى الدول المجاورة، بـ “الجريمة” التي لا تقل شأناً عن إجرام
النظام السوري بحق المدنيين، وفق تقديره. وقال عياط، في حديث خاص لـ ” صدى
الشام”: “يستحيل أن نشهد ثباتاً في نشرة أسعار الأدوية التي يزودنا بها
موزع الأدوية مع كل زيارة يقوم بها للصيدلية، فالأسعار ترتفع بشكل تدريجي”.

وأوضح، أن “الارتفاع في أسعار الأدوية
المحلية وصل لحوالي 100%، مقارنة بأسعار الأدوية قبل اندلاع الثورة”. لكنه
وفي الوقت ذاته، اعتبر أن “ارتفاع أسعار الأدوية، هو ارتفاع طفيف بالنظر لسعر
صرف الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي”.

أسعار الأدوية المحلية إلى ارتفاع

حاولت حكومة النظام أن تعيد النظر في تسعير
المنتجات الدوائية، وذلك من خلال القرار الأخير الذي أصدره رئيس حكومة النظام في شهر
أيار السابق، والقاضي بتشكيل لجنة من وزارة الصحة ونقابة الصيادلة والمجلس العلمي
للصناعات الدوائية، مهمتها إعادة تسعير الأدوية الوطنية الخاسرة حصراً.

“أتت هذه الخطوة متأخرة جدا”، بحسب
العضو في إدارة أحد معامل الأدوية السورية الذي هاجر من حلب إلى الأراضي التركية
مؤخراً.

وبين الإداري، الذي رفض الكشف عن اسمه، أن “الارتفاع
قد حصل منذ أمد بعيد وأن معظم الشركات الدوائية لم تعد تعمل بالتسعيرة السابقة”.
وقال: “لقد طرأت مستجدات كثيرة على صناعة الأدوية المنتجة محلياً. فالمواد
الأولية ارتفعت أسعارها بشكل كبير، علاوة على ارتفاع أسعار المواد المكملة (أمبولات،
كرتون التغليف، المحروقات)، كما وفرض النقص في اليد العاملة والخبرات رفع الأسعار
أيضاً”.

هيئة رقابية دوائية تابعة
للمعارضة هي الأولى من نوعها

في خطوة غير مسبوقة، أعلنت مديرية الصحة الحرة
في مدينة حلب مؤخراً عن إطلاقها لهيئة رقابية دوائية، تكون مهمتها مراقبة شؤون
الأدوية، من حيث الجودة والسعر، في المناطق الخاضعة لسيطرتها. فأردفت المديرية في
بيان رسمي صادر عنها، أنّها بحاجة إلى كوادر طبية واقتصادية لإطلاق هذه الهيئة.

وقال الطبيب عبد الرزاق درويش، مدير بنك الدم في
مدينة حلب والعضو في رئاسة مديرية الصحة الحرة: “إن الهيئة سوف تباشر عملها
الرقابي على الأدوية بشقيها المنتج محلياً والمستورد، لتحديد جودتها وفاعليتها
الطبية وشروط تخزينها”.

ومن ناحية الكوادر البشرية، أوضح الطبيب، في
حديثه لـ “صدى الشام”، أن “الخبرات متواجدة، كالأطباء المخبريين والفنين
الكيمائيين والاقتصاديين”. لكنه لفت إلى “غياب الغطاء المادي، الذي سيؤخر
انطلاق عمل الهيئة”، حسب قوله.

وشدد درويش، على أن دراسة أسعار الأدوية المنتجة
محلياً من المعامل التي تقع تحت سيطرة قوات المعارضة، المتواجدة في مناطق
“المنصورة والزربة وريف المهندسين” وغيرها من مناطق مدينة حلب، ستكون من
أولويات هذه الهيئة.

بالمقابل، يقلل مراقبون من أهمية هذه الخطوة على
الأرض. ويعزوا المراقبون توقعاتهم المنخفضة تلك، إلى ضعف سلطة مديرية الصحة على
الأرض، تزامناً مع حالة العسكرة التي تشهدها المدينة، والخلافات التي تشهدها
المديرية مع بعض الجهات القضائية في المدينة.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *