عشرات بل مئات الآراء
والأفكار التي تطالعنا كل يوم، وربما كل ساعة، مئات المحللين الذين يقدمون
مقترحاتهم ورؤاهم للحل، أفكار مبعثرة هنا وهناك، الفضائيات تعمل وتحلل، تستضيف،
وتتصل، وتصغي بانتباه لما يقوله ضيوفها، تطرح عليهم الأسئلة المحرجة أحياناً،
وأحياناً يتحدثون ما يحلو لهم دون أن يقاطعهم أحد، يخلطون الأمور، ثم يبعثرونها
على هواهم، يغيرون الحدود، الجغرافية طبعاً، ولا علاقة لنا هنا بحدود الله. قد
يحدث كل هذا في ساعة تلفزيونية واحدة، لكننا في اليوم التالي نكتشف أن كل ما
أصغينا إليه كان كلاماً فارغاً ولا يلامس الحقيقة. وربما يحالف أحد هؤلاء المحللين
الحظ وتصيب إحدى أفكاره التي قالها، وساعتها لن يضيّع الفرصة ليعلن على الملأ بأنه
صاحب هذا التحليل الثاقب والرؤية الاستثنائية. وستسارع الفضائية إلى استضافته مرة
أخرى، وقد تدفع له في هذه المرة أكثر. وإذا كان محظوظاً فقد يصبح ضيفاً دائماً على
شاشتها. ومع أول فشل تحليلي يقع فيه، يتم الاستغناء عنه والبحث عن سواه. ولهذا،
فإن التحليل السياسي، وخاصة التلفزيوني، في معظمه يبدو أقرب إلى التنجيم والتبصير.
فهو توقع غير مبني على حقائق ومعطيات. ولا يمانع المحلل الجهبذ أن يقول في معرض
حديثه إنه متأكد أن كذا سيقود إلى كذا، وإنه يمتلك معلومات تثبت ما يقوله. وطبعاً
هو لا يطلع المشاهدين على تلك المعلومات، التي لا يمتلكها في الحقيقة، لكنها وسيلة
موفقة لإقناع القناة بإطالة اللقاء معه، وإضافة سؤال جديد، لأن كل شيء محسوب
بالدقيقة.
وقد أخفق التحليل
السياسي والعسكري مرات كثيرة في مقاربة الحوادث، وفي العديد من المناسبات، لعل
آخرها التأكيدات التي خرج بها أكثر من محلل جهبذ، والتي سبقت لقاء أمير جبهة
النصرة على قناة الجزيرة، والتي تؤكد أن الجولاني سيعلن فك الارتباط مع تنظيم
القاعدة الذي تتبع له النصرة. لكن ما حدث هو العكس تماماً، فقد أكد الجولاني أنهم
يتلقون التوجيهات من الدكتور أيمن، والمقصود به هو زعيم تنظيم القاعدة الدكتور
أيمن الظواهري. طبعاَ والأمثلة كثيرة.
يبنى التحليل السياسي
على مجموعة من المعطيات والحوادث التي تتم دراستها بتدقيق بغية الوصول إلى نتيجة
معقولة وغير خيالية، وهو علم وليس اجتهاداً، وخال تماماً من عنصر الإبداع الشعري
أو القصصي التخيلي. وبما أنه علم فهو يعتمد مفردات ومصطلحات علمية ولا مكان فيه
للعواطف والمشاعر والمزاجية التي تقلل من قيمة المنتج العلمي وتحوله إلى طبخة بحص
لا يستفاد منها. إلا أن المحللين السياسيين العرب، وربما السوريين على وجه الخصوص،
يعاملون التحليل السياسي عكس ذلك تماماً. فهم لا يقدمون تحليلاً، لكنهم يقدمون
آمالهم التي ترضي الجمهور، وهم غير قادرين على الإطلاق على مصارحة الجمهور
بالحقائق كيلا يفقدوا جماهيريتهم، التي اكتسبوها بفعل حاجة الناس إلى سماع صوت مختلف
يبعث لديهم الأمل والتفاؤل. طبعاً كانت النتائج في بعض الأحيان مؤلمة لذلك الجمهور.
وقد لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دوراً بارزاً في إفراغ التحليل السياسي من
محتواه العلمي، وأوصلته إلى طريق مسدود. وقد يكون متعذراً العودة خطوات إلى الوراء
لإصلاح ما تم إفساده. وإن كانت الثورة تعج بعشرات المحللين المنجمين، فإن معسكر
النظام يقوم أصلاً على تحويل التحليل السياسي إلى أضحوكة من خلال إطلاق صفة المحلل
السياسي على شخص مثل شريف شحادة مثلاً، أو على خالد العبود وسالم زهران. فهؤلاء
وغيرهم يمكن اعتبارهم جزءاً لا يتجزأ من الحالة المغلقة والمستعصية التي وصلت
إليها الأمور في سوريا، من خلال قيامهم بانتهاج سياسة خداع دائمة، تعتمد على
التعامل مع المعطيات بوصفها نوعاً من المؤامرة الدولية. وتحت هذا العنوان يمكن
اللعب على الجمهور وجعله مغفلاً غير قادر على إدراك أن ما يقال له ليس سوى تبصير
وتنجيم، وهو ليس واقع الحال.
ولأن واقع الحال أفرز
كل أنواع الصحافة، وفتح الأبواب على مصاريعها أمام الجميع ليطلوا ويقولوا ما
يشاؤون، فإن استمرار هذه الحالة من الخداع الممنهج ستترك آثاراً سيئة للغاية على
الوعي السوري بأكمله.
أعلم أنه ليس من
الإنصاف وضع محللي النظام على حد سواء مع محللي الثورة، إلا أن الواقع يفرض علينا
أن نسمي الأمور بمسمياتها، وأن نركز أكثر على انتقاد ذواتنا كي نصل إلى بر أمان
منطقي، لا خيالي.
وكما أسلفت، فإن تحليل
المعطيات والحوادث ومحاولة الربط بينها وفق رؤية واضحة يقودنا إلى وضع قراءة
معرفية، خالية من التهويل أو التقليل، وقائمة أصلاً على معلومات لا على تهيؤات.
ولعل الفضائيات
العربية، وهي تتسابق لتملأ ساعات بثها، صارت عن غير قصد غير قادرة على التفريق بين
من هو محلل ومن هو منجم، فما يهم هنا هو أن يبقى الجمهور متواصلاً مع القناة، حتى
وإن قالت له في النهاية: طووووووط
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث