الرئيسية / رأي / أيها الأغبياء

أيها الأغبياء

ثائر الزعزوع

لا يمكننا أن نصف ما
يقوم به إعلام النظام طيلة السنوات الماضية على أنه صناعة للكذب، على الرغم من أنه
يتقن هذه الصناعة ويجيد التعامل مع مفرداتها، بل قد يكون واحداً من أكثر الأجهزة
الإعلامية كذبا على مستوى العالم. ولعل هذا ما دفع الشاعر الراحل ممدوح عدوان لأن
يقول مرة: “إن الإعلام السوري يكذب حتى في نشرة الأحوال الجوية”. وهذه
حقيقة يعلمها السوريون جيداً، إذ كان من النادر أن تصح التوقعات الجوية. فكان
الناس يفضلون متابعة أحوالهم الجوية عبر قنوات ووسائل إعلام لبنانية على الأغلب. وقد
اتبع إعلام النظام سياسته تلك في كل شيء، وحتى في اللقاءات الصحفية التي كان
يجريها رأس النظام كان يتم نقلها بشكل مختلف، وكان يمكن من خلال العودة إلى النصوص
الأجنبية لتلك اللقاءات اكتشاف التحريف والتغيير في تصريحات وإجابات سيادته، والذي
كان يوجه خطاباً مختلفاً للخارج عما يوجهه للداخل. وتلك سياسة اتبعها حافظ أسد
وسار عليها وريثه، فما يقال لوسيلة إعلام أميركية هو مختلف تماماً عما يقال في
احتفال بمناسبة من مناسباتهم الكثيرة.

وإذا كان هذا الإعلام
ماهراً في فن صناعة الكذب، فإنه يبدو أشد مهارة في فنون الاستغباء الجماهيري،
والتعامل مع المتلقين على أنهم مجموعة من الأغبياء الذين لا يفقهون شيئاً، ولا
يعلمون إلا ما يقال لهم.

الهزائم التي منيت بها
قوات النظام مؤخراً كبيرة جداً، وهي تشير بشكل أو بآخر، إلى بداية انهيار العصابة
وتفككها. ومع هذا فإن وسائل إعلامه ما زالت مصرة على أن هذا الجمهور ليس سوى بعض
الأغبياء، قل لهم انتصرنا وسيصدقون.

اللغة التي تستخدمها
وسائل إعلام النظام هي نفسها اللغة التي استخدمت في بيان الانقلاب رقم واحد، الذي
أعقب استيلاء حافظ أسد على السلطة. وهم حريصون على استمرار هذه اللغة الشعاراتية
الخالية من أي معلومة، والتي تحاكي الغرائز فقط، فتستفز المشاعر، وتحرض وتعد
بانتصارات وغد مشرق جميل. ولعل الحرص على استخدام هذه اللغة يتمثل أصلاً في
الإبقاء على ذلك الجمهور نفسه مغيباً وغير قادر على المحاكمة العقلية للأحداث
والوقائع. فتلك العبارات هي أشبه بذلك الجرس الذي استخدمه بافلوف لينبه كلبه إلى
موعد الطعام، فما أن يسمع الجمهور عبارات مثل الصمود الأسطوري، ملحمة البطولة،
تضحيات أبطالنا إلى آخره، حتى ينكفئ إلى ذاكرته ويستعيد سيرة القمع الطويلة التي
عاشها، ويتذكر ثمانينيات القرن الماضي حين كانت السيارات تجوب الشوارع وتلتقط كل
من تسول له نفسه أن يرفع رأسه، لا ليعترض ولكن ليرى ماذا يحدث.

فيا أيها الجمهور
الغبي، أنت لا ترى إلا ما نقدمه لك. وما نقدمه نحن هو الحقيقة، وأن نقول لك إننا
انتصرنا على العدو الصهيوني في حرب تشرين، فهذا يعني أننا انتصرنا، ولا تسأل بعدها
لماذا الجولان ما زال محتلاً. وأن نقول إن ما حدث في لبنان من خراب ودمار عام 2006
كان نصراً إلهياً، فعليك أن تصدق، وأن تغني وتتغني بذلك النصر الإلهي. وعندما
نخبرك أن انفجاراً يقتل عشرات المدنيين ويكاد يحطم جسراً لكنه لا يستطيع أن يسكب
سطل اللبن، فعليك أن تغمض عينيك ولا تنظر إلى سطل اللبن أبداً، فهو مجرد سطل لبن.
كما أن جسر الشغور مجرد تفصيل صغير، كذلك فإن تدمر تفصيل صغير. العصابات الإرهابية
هزمت، وعليك أن تصدق دون أن تسأل أين وكيف ومتى. لا تسأل كي لا تكون جزءاً من
المؤامرة، لأن المؤامرة كبيرة… ألم تسمع عن البارجة الألمانية؟ ألم ينزل عليك
المطر وأنت تسير في حي الميدان؟ إذاً اشكر ربك لأنك ما زلت تسير في حي الميدان.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *