إذا كنا متفقين على أن معارضتنا فاشلة، وهي
أثبتت خلال السنوات الماضية أنها لا تقل فشلاً وفساداً عن عصابة الأسد، وإن كانت
وللإنصاف تقل إجراماً ووحشية، وإذا كنا متفقين على أن عصابة آل الأسد يجب أن تغادر
عن بكرة أبيها وأن تخضع للحساب على ما اقترفته بحق سوريا شعباً وأرضاً، أقول تخضع
للحساب ولا أقول للانتقام، وإذا كنا متفقين على أن ثمة بوادر لاقتتال سوف يستمر
حتى ما بعد سقوط الأسد وذلك بسبب العدد الكبير من الكتائب الهائمة على وجهها والتي
لا يجمع بينها جامع ولا يوحد صوتها موحد، أضف إلى ذلك ما نشأ من أحقاء وبغضاء
وكراهية ورغبة بالانتقام لدى الكثيرين بسبب أفعال عصابة الأسد، إذا كنا متفقين على
كل هذا، فمن سيدير سوريا بعد سقوط النظام؟ وهو أمر بات مطروحاً للنقاش في الآونة
الأخيرة، وتلوح في الأفق بين الحين والآخر بوادر مؤتمر كبير قد تستضيفه العاصمة
السعودية لطرح هذا السؤال على ممثلي الشعب السوري، وهم بالمناسبة ليسوا منتخبين،
حالهم حال النظام. صحيح أننا في فترة من الفترات وقفنا معهم وخلفهم وأيّدنا
تحركاتهم، إلا أن فشلهم دفع بالكثيرين منا إلى اعتبارهم عبئاً إضافياً على كاهل سوريا
بدل أن يكونوا معيناً لها في سعيها للتحرر والخلاص. فإذا عقد المؤتمر الموعود، فما
هي الصيغة التي يتصورها أولئك المعارضون الذين يضمهم الائتلاف وسواه لإدارة سوريا
في اليوم التالي لسقوط العصابة؟ وما هي الطريقة التي ستمكنهم من العبور في نفق
الانتقال المظلم من حالة الصراع المسلح إلى حالة السلم الأهلي وإعادة بناء الدولة،
وإعادة إعمار ما تم هدمه، وهو كبير وكثير؟ ثم هل سيتفق أولئك المعارضون، وأكرر
الذين لم ينتخبهم أحد، على صيغة واحدة موحدة يقدمونها لرعاة المؤتمر المنشغلين
بالشأن السوري، والذين تقول تصريحات كبار مسؤوليهم أنهم عاقدون العزم على الرمي
بكل ثقلهم من أجل وضع نقطة النهاية في هذا السطر الدموي، سواء وافقت الولايات
المتحدة أم لم توافق؟
قد لا تكون هذه الأسئلة قد وردت في أذهان
الكثيرين، وخاصة أولئك الذين فقدوا الأمل بانتصار الثورة، أو بانتهاء عهد العصابة،
إلا أن الواقع يفرض علينا طرحها، كيلا نفاجأ بالحدث، ونرتجل حلولاً تجلب خراباً
إضافياً.
يتساءل كريم بقرادوني، الوزير اللبناني السابق،
وهو شبيه بميشال سماحة في كل شيء تقريباً، وربما يكون قد حمل متفجرات بدوره،
يتساءل بقرادوني في فيلم وثائقي أنتجه تلفزيون النظام عن المشروع السياسي للمعارضة
السورية، مؤكداً أنه لم يسمع خلال العام المنصرم أي حديث عن مشروع للمعارضة.
والحقيقة قد أتفق مع بقرادوني فيما قاله، بل وأزيد عليه لأقول إن المعارضة أصلاً
لا تفكر فيما يمكنها أن تفعله، فهي لم تضع حتى الآن خطة عمل لإدارة المناطق
الخارجة عن سيطرة النظام، وتكتفي بالجلوس بعيداً ومراقبة بعض القوى التي لا تنتمي
إلى الثورة وهي تنقض على المناطق المحررة فتلتهمها، وتقضي على أحلام أهلها
بالحرية. وإذا كانت الذريعة الجاهزة دائماً أن قوات النظام تقوم بقصف المناطق
المحررة بالطائرات، فلا بد أن ثمة حلولاً يمكنهم من خلالها التواجد داخل المناطق
المحررة بطرق آمنة، وإن تحت الأرض، وهذا ليس مستبعداً، وقد أدار ثوار فيتنام كل
شيء من تحت الأرض، لأن حياة المكاتب ومكيفات الهواء لا تشبه الثورات في شيء، لأنهم
قد لا يعلمون أن الناس كانت بحاجتهم كثيراً، لا ليلتقطوا الصور التذكارية ويدلوا
بتصريحات مستعجلة ثم يغادروا بسرعة البرق، بل ليكونوا موجودين على الأرض، ليشرفوا
على بناء الدولة حجراً حجراً، وكي يكون لديهم تجربة في إدارة الدولة بأكملها حين
يسقط النظام.
وقد اشترط الدكتور عزمي بشارة، مدير المركز
العربي للدراسات والأبحاث، على قناة الجزيرة في برنامج في العمق، على المعارضة أن
تحافظ على الدولة وأن تكون قادرة على إدارة الأمور، بل واشترط أن تكون المعارضة
قادرة على إرسال الموظفين إلى أعمالهم في اليوم التالي لسقوط النظام، كيلا تنهار
الدولة بأكملها. وسواء اتفقنا مع هذه النظرة الحالمة أم اختلفنا، فإنها واقعية
بالكامل، وهي تدق ناقوس خطر لما سيحدث فيما بعد. فهل تفكر معارضتنا السياسية بكل
هذه التفاصيل؟ وهل هي مستعدة أصلاً لكل هذه الاحتمالات؟
الحديث عن سقوط النظام ليس حديثاً رومانسياً،
وقد قلت في مقالي السابق إن النظام يبدو في أضعف حالاته، وإن علينا الاستعداد
للعودة إلى دمشق، فهل نحن مستعدون فعلاً لذلك اليوم المنتظر؟ أم سنترك الأمور
للفوضى كي تنتج حرباً أهلية وصراعاً دموياً قد يمتد لسنوات؟
لا تقدموا ضمانات، ولا استثناءات، بل قدموا
حلولاً واقعية…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث