صدى الشام
لم يكن محمد يعرف بأنه سيأتي يوم
ويترك فيه سورية،موطنه الذي ولد ونشأ فيه، وأنه لن يبقى له مكان في
البلد التي بنى فيها كل أحلامه، بسبب استحالة الحياة وانعدام الأمن وفرص العمل، والذي
كان سببا لهجرة الكثير من الشبان السوريين، الذين يريدون أن يشقوا طريقهم ويبنوا آمالهم
بعيدا عن أصوات المعارك.
محمد النجار، شاب ثلاثيني من محافظة
ريف دمشق، كان لا يزال طالبا في السنة الأخيرة بكلية الحقوق ويحلم بالتخرج كي يشق طريقه
في مهنة المحاماة في بلده، حين بدأت الثورة السورية واستخدم النظام أقسى أنواع
العنف ضد المدنيين في مختلف المناطق السورية لقمعها. تهدم بيت محمد وخسر ممتلكاته
وأمواله التي استولى عليها شبيحة النظام، كما أن طول أمد الثورة جعله يفقد الأمل بانتهاء
الحرب في وقت قريب. فقرر الشاب المغامرة برحلة الموت إلى أوروبا، التي أصبحت حلما
لآلاف الشباب السوريين، علها تكون قارب النجاة لهم من جحيم الحرب وعلّهم يعيشون في
بلد يمنحهم حقهم الإنساني كبشر.
بدأت معاناة محمد ومصارعته الموت منذ
عبوره حواجز النظام وصولاً إلى تركيا، التي تعتبر بلد العبور الرئيسي للسوريين
باتجاه الدول الأوربية. إذ يصف محمد صعوبة الطريق الذي سلكه قائلا: “لقد نجوت
بأعجوبة من الحواجز. فبمروري على حاجز السلمية – حماة تم توقيفي ومصادرة ما معي من
مال. وصادر عناصر الحاجز موبايلي أيضا، بحجة أن البرامج الموجودة فيه ممنوعة في
سوريا. كما حققوا معي عن سبب ذهابي إلى المناطق الشمالية من سورية الخاضعة لسيطرة
المعارضة”.
وصل الشاب تركيا لتبدأ مغامرته الأصعب
في مواجهة الموت من خلال ميناء أزمير التركي، الذي سيبحر منه باتجاه أول بلد أوروبي،
“اليونان”، عبر قارب مطاطي. فبعد الاتفاق مع مهرب هناك، وصل محمد إلى
الميناء ونظر إلى البحر مستجمعا شجاعته، ومستذكرا واقع بلده المرير، عله يمنحه بعض
القوة في امتطاء القارب المطاطي الذي سيوصله إلى شاطئ الأمان في إحدى الجزر
اليونانية.
ويقول محمد: “صعدنا إلى القارب
المطاطي، وكان بصحبتنا نساء وأطفال، وحتى رضع. بعد ساعتين من الإبحار علا الموج،
وبدأ القارب يتمايل بتمايل الأمواج، مما أثار الرعب في قلوبنا”. ويضيف:
“عندما أوشكنا على الغرق أطلقنا صافرات الإنذار. ولحسن حظنا، استجابت لنا
قوات ألمانية موجودة في المنطقة لهذه الغاية”.
يتابع محمد: ”بعد ساعات من التفاوض،
تم نقلنا إلى أقرب جزيرة يونانية، ومن ثم إلى العاصمة أثينا. وكنا أمام خيارين: إما
أن نبيت في أثينا ونعلق في اليونان، أو أن نتحرك بسرعة ونجد مهربا آخر ينقلنا إلى
بلد أوربي آخر نستطيع العبور منه إلى البلد الأوربي الذي نريده. وقد كانت وجهتي هي
النرويج”.
ويضيف: “قمنا بالاتفاق مع مهرب
لنعبر من صربيا إلى إيطاليا عبر هنغاريا والنمسا مقابل 1500 يورو للشخص الواحد.
وبعد عبورنا صربيا وهنغاريا ووصولنا للحدود النمساوية، انقطع الاتصال مع المهرب
ووقفنا حائرين لا ندري بأي اتجاه نسير، إلى أن ألقت السلطات النمساوية القبض علينا
وطلبت منا تقديم طلبات لجوء لديها. وبما أن حلمي كان الوصول إلى النرويج، لم أقدم
طلب لجوء فتمت إعادتي إلى هنغاريا مع خمسة من رفاق الرحلة. تم احتجازنا في هنغاريا
لمدة 35 يوماً، وتم تسليمينا بعدها للسلطات الصربية، حيث دفعنا غرامة 150 يورو عن
كل شخص. ثم تُركنا لنكمل رحلتنا سيرا على الأقدام إلى هنغاريا، ومنها إلى النمسا،
في رحلة شاقة استمرت نحو خمسة عشر يوما. تعرضنا خلالها لأقسى الظروف التي قد يمر
بها بشر، من برد قارس لا يحتمل، والاضطرار للنوم تحت الجسور وفي البيوت المهجورة،
إلى أن وصلنا إلى الحدود النمساوية حيث ألقت السلطات القبض علينا هناك مرة أخرى.
لكننا كنا في حالة استسلام تام فقدمنا طلبات لجوء في النمسا”.
قصه محمد واحدة من آلاف قصص السوريين
في رحلات الموت التي يذهبون بها، حاملين معهم أحلامهم وأمانيهم وآمالهم وآلامهم زادا
يرشون به اليأس، متحدين واقعهم المرير ممتطين أمواج بحر عاتية، ليصلوا إلى شاطئ يشعرون
فيه بالأمان.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث