الرئيسية / تحقيقات / التعليم في حلب المحررة جهود جبارة للنهوض به .. مجازر جماعية لإفشاله.. ونقصٌ حاد بالإمكانيات

التعليم في حلب المحررة جهود جبارة للنهوض به .. مجازر جماعية لإفشاله.. ونقصٌ حاد بالإمكانيات

تحقيق: غياث شهبا

“أُفضِّل أن أخسر الحرب على أن يخسر أبناء وطني عاما دراسيا
كاملاً”، قولٌ مأثورٌ لرئيس الوزراء البريطاني السابق وينستون تشرشل أدلى به خلال
الحرب العالمية الثانية، عندما كانت أمطار القذائف تنهمر على مدينة لندن بمعدل أربعين
ألف قذيفة يومياً..

لم تختلف الحكاية في محافظة حلب المحررة، فرغم اختلاط حبر دفاتر
أطفال مدارسها بدمائهم، استمر سير عملية التعليم في المدينة المنكوبة، وتخطى إرهاب
قوات النظام ما فعله النازيون في لندن، فكانت البراميل المتفجرة والقذائف بكافة أنواعها
تتساقط فوق حلب دون أي مقدرة على الوقوف بوجهها علاوة عن صمت مطبق من المجتمع الدولي
إزاء المجازر المرتكبة بحقّها، فكان نصيبُ المدارس من الهول وافرا إلى حد الفجيعة.
جدران عزل كثيرة نُصبت بين ظلمة الجهل وشمس العلم، أوّلها سوء الأوضاع الأمنية متمثّلة
بغارات طيران النظام، يليها انعدام الإمكانيات المتاحة مقارنة بالاحتياجات. لم يستطع
ما ذُكر وما لم يذكر من جدران أن يقف بوجه من يسعون جاهدين لتحطيمها، لكن سير التعليم
مازال يحبو جاهدا في محاولة لإنقاذ ما تبقى من حلب.

من حق الطفل أن يتعلّم، لكن الحفاظ على حياته حق أسمى..

محمد طفل في العاشرة من عمره، يملك بالفطرة موهبة فذة في (الميكانيك) سبق
بها من تخطوا سنّه بعشرات الأعوام، اضطر لترك المدرسة قبل ثلاثة أعوام نتيجة لقصف قوات
النظام حي الفردوس الذي يقطنه مع ذويه، عاد بعد انقطاع إلى التعليم حيث وُضع في الصف
الثاني رغم أن عمره يتناسب مع الصف الخامس الابتدائي. “بعد هذا الانقطاع وبسبب
خوفه من الموت في المدرسة التي استشهد فيها جُلّ أصدقائه لم يعد ابني يتقن حفظ الأحرف
العربية”، يقول والد الطفل محمد.

لم يكن محمد الوحيد ولم تكن حالته هي الأسوأ. ففي حلب المحررة أكثر من مئة
وستين ألف طالب يعيشون أوضاعاً مأساويةً تجعل التسرب من المدارس وجهتهم المنطقية. فقد
بلغت نسبة التسرب بين الطلاب حدّ الأربعين بالمئة، حسب الأستاذ محمد مصطفى مدير التربية
والتعليم بمحافظة حلب المحررة. “لم يلتحق العديد من الأطفال بالمدرسة لأسباب تخرج
عن إرادة الجميع، أولها القصف الشديد من قوات النظام على المدارس. كما لا يمكن لبعض
الطلبة الاستمرار في تعليمهم نتيجة لفقدان المعيل لأسرهم واتجاههم للعمالة علّهم يجنون
ما يسد رمق أُسرهم”، يضيف محمد مصطفى: “العلم ضروري وحق من حقوق الأطفال،
لكن الحفاظ على الحياة حق أسمى..”.

يقول المدرّس أبو محمد “أذهب إلى المدرسة يوميا، لأتمم واجبي في تدريس
هذا الجيل المظلوم. أمثالي من المعلمين الذين يعملون بالمجان كٌثر”. تجاوز عدد
المعلمين في حلب الستة آلاف معلم متطوع، وهم لا يتقاضون أجرا من جهة حكومية. وبحسب
مدير التربية والتعليم، تقتصر واردات المعلمين المادية على المكافآت التي تمنحهم إياها
المنظمات المهتمة بالتعليم، وتبدأ المكافآت بثلاثين دولار شهريا فقط، علما أن نسبة
المعلمين الذين تصلهم هذه المنح لا تتخطى الثلاثين بالمئة.

مجازر .. وحلولٌ مُسعفة…

لم تتوقف الحملات الشرسة للنظام على سير العملية التعليمية في حلب المحررة،
فقد استهدف القصف بشهر نيسان وحده عشر مؤسسات تعليمية من مدارس ومعاهد ورياض أطفال.
ما أدى لاستشهاد وجرح عدد من الأطفال والمعلمات والإداريين، وما يزال بعض الجرحى في
المشافي حتى اللحظة. وقبل عدة أيام استشهد ثمانية أطفال وأُصيب أربعة آخرون بجروح إثر
قصف طيران النظام لمدرستهم في بلدة (خُلصة) بريف حلب الجنوبي. عشرات المجازر ارتُكبت
منذ تولي مديرية التربية والتعليم إدارة شؤون المناطق المحررة في أواخر العام الميلادي
الماضي. عانت المديرية من بعض المعوقات في بداية عملها، فبعض اللجان كانت تنظر إليها
كجهة ممولة وليست تنظيمية. شيئا فشيئا تغيرت هذه النظرة فساد التعاون بين الأطراف المبادرة
بالتعليم، فمن أصل مئة وثلاثين مدرسة في حلب المحررة لم يتخلّف عن تقديم البيانات للمديرية
سوى مدرسة واحدة. في حلب المدينة وحدها، هناك أكثر من ستة وثلاثين ألف طالب، حسب مدير
التربية والتعليم. يضيف الأستاذ محمد مصطفى: “مسؤوليتنا لا تنحصر في النهوض بواقع
التعليم فحسب، بل يتوجب علينا حماية أبنائنا الطلبة وعدم تعريض حياتهم وحياة المعلمين
للخطر. فبعد حملة النظام الهمجية على المدارس، أصدرنا تعليمات تقضي بتعليق الدوام في
المدارس والمعاهد ودور الحضانة حتى نهاية الأسبوع. كان هذا في منتصف نيسان”. يتابع
المدير: “بعد أقل من أسبوع ازدادت شراسة حملات النظام على المراكز التعليمية،
فأصدرنا تعليمات تقضي بإيقاف الدوام في المباني الحكومية للمدارس في مدينة حلب حتى
نهاية العام الدراسي. إضافة إلى التركيز خلال المدة المتبقية من الدوام على المفاهيم
الأساسية للمواد الدراسية لطلاب الصفوف الانتقالية، مع تحويل طلاب المدارس من المباني
الحكومية إلى أقبية أو ملاجئ أو مدارس ميدانية أخرى في المدة المتبقية من الفصل الثاني.
وتمّ تفويض إدارة كل مدرسة في ضغط مدة الدوام أو اختصاره وزيادة عدد الأفواج لاستيعاب
الطلاب في المدارس الميدانية الآمنة نسبياً”.

بعد أسبوعين من هذا القرار، ألقى طيران النظام برميلا متفجرا على مدرسة نور
مكتبي في حي سيف الدولة، ما أسفر عن استشهاد عشرة من الأطفال والمعلمين وإصابة خمسة
وثلاثين بجروح. عندها أمرت المديرية بوقف الدوام نهائيا في جميع المدارس والمعاهد ودور
الحضانة بالمدينة، وإلغاء الامتحانات النهائية في الصفوف الانتقالية، مع اعتماد نتيجة
المذاكرة عوضا عن الامتحان. بالإضافة إلى إجراء سبر معلومات للطلاب بداية العام الدراسي
القادم، مع تحمل الجهات التي لم تنفذ هذا القرار مسؤوليتها أمام القضاء الشرعي في حال
تعرض أحد الطلاب أو المعلمين لإصابات أثناء الدوام.

وبالنسبة لطلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية تم التوصية باعتماد مراكز محمية
لإجراء امتحاناتهم النهائية فيها، مع الحرص على التقليل من عدد الطلاب في المركز الواحد.

إمكانياتٌ ضعيفة، ودعمٌ محدود

لم تقتصر مصاعب التعليم على ما سبق، فشُحّ الإمكانيات مازال يشكل حجرا تتعثر
به كل مبادرة تهدف للمضي قُدماً. فبحسب مدير التربية، “الحكومة المؤقتة كانت تمول
الامتحانات في السابق، لكن دورها الآن اقتصر على الأمور التنظيمية، كما أن الموظفين
التابعين لها يعملون منذ بداية العام بشكل تطوعي. وهم مشكورين على ذلك”. يتابع
مدير التربية: “بعض المؤسسات الخيرية ساهمت بمساعدات لوجستية من أجل امتحانات
الشهادة الثانوية، كمؤسسة السنكري. ومازالت امتحانات الشهادة الإعدادية بحاجة للتمويل
أو الدعم اللوجستي”. يضيف المدير: “بالنسبة
للأقلام والأوراق ووقود التدفئة والمقاعد وكافة مستلزمات التعليم، لا يوجد دعم مناسب،
فكل معلم يحضر أقلامه معه من حسابه الخاص ويقتصر التمويل على المبادرات الشخصية، مع
وجود بعض الاستثناءات. فالحكومة المؤقتة وهيئة (عِلم) اتفقتا على وحدة توزيع الكتب
على مدارس حلب، ووحدة التنسيق والدعم (
ACU)
تبرعت مشكورة بمئة ألف حقيبة مدرسية وألف مدفئة وتسعين ألف حصة لباس شتوي للأطفال.
وهذا الدعم لا يشكل سوى ثلاثين بالمئة من الاحتياجات الدنيا المطلوبة”. وبيّن
الأستاذ محمد مصطفى أن “أغلب المنظمات الدولية الداعمة لم توفِ بوعودها التي أعطتها
للمدارس السورية، في وقت تعطي فيه منظمة الأمم المتحدة المعونات والمستلزمات التدريسية
لنظام الأسد، بحجة أنه يدعم التعليم في سوريا..!”.

وعن المدارس الموجودة في المناطق التي تخضع لسيطرة “تنظيم الدولة”
في ريف حلب، أكد مدير التربية والتعليم أنه “كان هناك تواصل في بدايات فترة سيطرة
التنظيم على المنطقة، وما لبث أن استحال الوصول إلى تلك المناطق، بسبب تعرض حياة المعلمين
والإداريين للخطر بسبب إجراءات التضييق الممارسة من قبل عناصر التنظيم على التعليم”.

لن يكون دوام الحال من المُحال..

تحتاج عملية التعليم في محافظة حلب المحررة إلى خطة استراتيجية متعددة الأوجه،
فلا بد من دعم المعلمين والإداريين الذين لم يتلقوا منذ شهور أي مرتب شهري يكفيهم لسداد
مصاريف التعليم التي دٌفعت من جيوبهم. إضافة إلى مساندة وتمويل الجهات المشرفة والمساهمة
بصيانة المدارس وجعلها صالحة للحاجات التدريسية الدنيا، مع الاهتمام الكبير بتدريب
وتأهيل المعلمين والإداريين لقلة عددهم بالمقارنة مع الاحتياجات.

وقبل هذا وذاك، يجب ألا ننسى أن في حلب هناك الآلاف من الأطفال الذين ارتبطت
ذاكرتهم التعليمية بالموت، فمن منّا يقدر على أن يمحو من ذاكرة الأطفال صورة معلمتهم
بجسد دون رأس، كما حصل في مجزرة سعد الأنصاري؟ من منّا يستطيع أن يعيد للطفل النابغة
محمد قدرته على تعلم أحرف اللغة العربية بعد أن أتقنها لسنوات؟ وطالما بقي نظام الأسد
يقصف المدارس والملاجئ بشتى أنواع المتفجرات، ستذهب كل الجهود التي بُذلت هباء، ولن
يكون عندها دوام الحال من المحال.

جاء في تقرير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، رقم A/HRC/28/69بتاريخ 5/2/2015، أنّ أطفال سوريا “يعانون من النتائج المباشرة
للعنف العشوائي لقوات النظام”، وبشكل خاص من “الهجمات على المدارس”.
وحسب التقرير، “قُتل 160 طفلا في هجمات على المدارس في عام 2014″، فضلاً
عن الاعتقال والاختفاء القسري الذي تمارسه بحقهم الأجهزة الأمنية لنظام الأسد.

إضاءات

– 600 مدرسة في محافظة حلب المحررة، تضم 160 ألف طالب، تسرّب
منهم 40 بالمئة.

– ستة آلاف معلم متطوع في المحافظة، ثلاثون بالمئة منهم يتقاضون
مكافآت تبدأ من 30 دولار شهريا.

– 130 مدرسة في القسم
المحرر لمدينة حلب فيها 36 ألف طالب.

جرائم موثقة بالصوت والصورة:

_ 1352015 استهداف
قوات النظام بالصواريخ مدرسة “خلصة” بريف حلب الجنوبي، ما أدى لاستشهاد ثمانية
أطفال وجرح أربعة آخرين .

_ 352015 ألقى طيران
النظام المروحي برميلا متفجرا على مدرسة “نور مكتبي” الابتدائية الميدانية
في حي سيف الدولة بحلب المدينة، راح ضحيته 10 شهداء من الأطفال والمعلمين وأصيب 35
بجروح.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *