عبد القادر عبد اللي
لم يأتِ السوريون إلى تركيا بخيارهم، وهم يعيشون المر، وينطبق عليهم المثل القائل: “ما الذي يصبرك على المر، قال: الأمرّ“. وغالبيتهم المطلقة يتحينون الفرصة من أجل العودة، ولو توقّف قصف النظام الجوي والبعيد لعاد أكثر من نصفهم فوراً، وعاد الباقي تدريجياً.
السوريون في تركيا ثلاثة أقسام رئيسة. يتألف القسم الأول من الطبقة الوسطى التي جاءت ببعض المدخرات وفتحت محلات وأسست أعمالاً، أو لها مورد من ابن أو قريب مغترب تعتمد عليه، وتعيش في المدن والقرى. وتُعامل هذه الشريحة في تركيا بموجب القانون المطبق على الأجانب عموماً، وينطبق عليها ما ينطبق على أي مستثمر أو سائح أجنبي، إضافة إلى سوء المعاملة في أقسام الشرطة من أهل التقية. والقسم الثاني هم البسطاء الذين يعملون بنصف أجر، ويستغلهم المواطن التركي أبشع استغلال. ولا يريد هذا التركي أن يذهب هؤلاء لأنهم يعلمون بأقل الأجور، وليس لهم أي أعباء. القسم الثالث هم الذين في المخيمات، وتنفق عليهم الدولة التركية والمؤسسات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني التركية والعالمية.
أيّ من هذه الشرائح سيطرد زعيم حزب الشعب الجمهوري؟ فالذين يستثمرون أو يأتيهم دخل من الخارج موجودون بقوة القانون، وطردهم يحتاج إلى قانون، ولا يمكن أن يقال في القانون هذا خاص بالسوريين، فهو سيطبق على السوري مثل غيره من الأجانب. أما الذين في المخيمات، فهؤلاء موجودون تحت إشراف المنظمات الدولية، وأقصى ما يستطيع القيام به زعيم حزب الشعب الجمهوري هو إيقاف إطعام هؤلاء، ووضع مسؤوليتهم برقبة المنظمات الدولية.
الشريحة التي يستطيع فعلاً أن يطردها هي التي تقيم دون أي سند قانوني، ووُجدت بحكم الأمر الواقع، وتحمل بطاقة اللاجئ وتسكن في بيوت. فإذا كان نصف اللاجئين السوريين في المخيمات، ونصف الذين خارج المخيمات باتوا موجودين بشكل قانوني يحملون إقامات، ويدفعون ضرائب ورسوم مثلهم مثل أي مواطن أجنبي، فمن سيطرد؟ سيطرد ما تبقى، وهم البسطاء الذين يعملون بشكل غير قانوني.
هناك شريحة من اللاجئين السوريون في تركيا ليست معارضة لنظام بشار الأسد، بل على العكس هم شبيحة من مريدي الإمام الفقيه أكثر من قلتشدار أوغلو نفسه بمائة مرة، فهل يستطيع طردهم؟ أو بمعنى آخر: “هل يتحمل تبعات طردهم؟”
لا يخفى أن قلتشدار أوغلو يقدم هذه الدعاية بدافع طائفي، فهو كردي علوي، وإذا كان الأكراد عموماً، وفي تركيا خصوصاً يقدمون الانتماء القومي على المذهبي والديني، وهذا أمر طبيعي لعدم تشكيلهم دولة قومية على غرار القوميات الأخرى في المنطقة، فإن قلتشدار أوغلو واحد من الندرة النادرة من أكراد تركيا الذين يقدمون المذهبية على القومية، أي أنه يقدم الانتماء العلوي على الانتماء الكردي. ولم يختر هذا التقديم عن عبث، فهو لا يستطيع أن يترشح في مسقط رأسه تونجلي حيث أهله وأقرباؤه، بل يترشح عن إحدى دوائر اسطنبول التي تعتبر معقلاً للحزب الذي يرأسه.
الطموح الأقصى لهذا السياسي هو حصول حزب العدالة والتنمية على أقل من نصف مقاعد البرلمان، وإمكانية تشكيل ائتلاف حكومي مع حزبين آخرين. ولعل هذا الطموح أصعب بكثير من عملية طرد السوريين من تركيا، لأن هذا الائتلاف يتطلب موافقة حزب الحركة القومية الذي يتبنى الفكر الطوراني، وينكر وجود قومية كردية مع حزب ديمقراطية الشعوب (الكردي) الذي يطالب بهوية كردية معترف بها بالدستور التركي. وقد علّق رئيس حزب الحركة القومية (الطوراني) على هذا السيناريو قبل أيام قائلاً: “يجب منح شهادة دكتوراه لمن يطرح سيناريو كهذا” طبعاً الدكتوراه تُمنح لمن يأتي بجديد وإبداعي، واعتبر هذا السيناريو عملية إبداعية متخيلة تستحق مكافأة شهادة دكتوراه.
يمكن تشبيه الدعايات الانتخابية عموماً بمن يدفع من جيب غيره، والدعاية الانتخابية لحزب الشعب الجمهوري ينطبق عليها هذا القول تماماً. فآخر استطلاعات الرأي بين أعضاء هذا الحزب، وجواباً على سؤال: “هل تؤمن بأن حزبك يستطيع إنجاز وعوده الانتخابية؟” أجاب 82% من المستطلعين بلا، أي أن أنصار الحزب الذين سيصوتون له يعرفون مسبقاً بأنه لن يستطيع الإيفاء بوعوده.
طرد السوريين واحد من وعود هذا الحزب، ولعله الوعد الأسهل، لأن الوعود الأخرى تحتاج أموالاً طائلة، بينما لا يكلف شيئاً طرد بضعة آلاف من السوريين… ولكن لكي يتحقق هذا الوعد تماماً لا بد من قيام انقلاب عسكري في تركيا، والبقاء فترة انتقالية تصفي يمين الوسط الذي يستقطبه حالياً حزب العدالة والتنمية، ثم إجراء انتخابات يُمنع فيها اليمين الوسط من الترشح، ثم… يكفي إلى هنا… أي أن سقوط الولي الفقيه سيكون أقرب وأسهل من هذا السيناريو…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث