الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / هل بقي لسوريا مستقبل اقتصادي؟

هل بقي لسوريا مستقبل اقتصادي؟

أحمد العربي

مع استمرار النظام السوري بحربه الممنهجة ضد شعبه، تعرّضت محرّكات الاقتصاد
السورية الأساسية إلى ضربة قوية، ومنها قطاع النفط السوري الذي يعاني من الجمود التام.
فقد لحقت أضرار فادحة بالبنى التحتية الخاصة بقطاع الطاقة، وأتت النيران على آبار نفطية،
وجرى تعليق العمل بالعديد من المشاريع. وقد تراجع إنتاج النفط الخام، الذي كان يبلغ
380 ألف برميل في اليوم قبل الثورة، إلى 20 ألف برميل، حسب وزير النفط السوري. وبحلول
منتصف عام 2013، كان النظام قد فقدَ السيطرة على الجزء الأكبر من الأراضي الغنية بالنفط
في البلاد (والتي تقع بغالبيتها في الشرق والشمال الشرقي). أما إنتاج الغاز فقد انخفض
بمعدّل الثلث. ويُعزى هذا التراجع المعتدل نسبياً إلى وجود حقول الغاز في المناطق التي
لا تزال خاضعة لسيطرة النظام، مثل تدمر وحماه.

قبل الثورة، كان حوالى 90 في المئة من إنتاج النفط والغاز المحلي -ما يشكّل
35 في المئة من مجموع عائدات الصادرات ونحو خمس الإيرادات الحكومية- يُباع إلى أوروبا.
بيد أن العقوبات قضت على هذا المصدر الذي كان يؤمّن الدخل للبلاد.

وأدّى توسّع دائرة الصراع إلى تراجع حاد في مستويات الإنتاج الغذائي، بعدما
كانت المناطق الزراعية قد حافظت على مستويات إنتاجية جيدة في العامين الأولَين من الثورة.
وقد تحدّثت تقارير عدّة عن قيام جيش الأسد بإتلاف المحاصيل بهدف الانتقام من السكّان
المحليين. أما في المناطق التي نجت فيها الأراضي الزراعية من الدمار والتخريب، تحوّل
نقل المحاصيل إلى مهمّة شاقّة، لا بل مستحيلة. وقد فرّ العمّال من مناطق على غرار حمص
ودرعا، الأمر الذي تسبّب بنقص في اليد العاملة وتراجع الإنتاج الزراعي. فعلى سبيل المثال،
تراجع محصول القمح لهذا العام بمعدّل نحو 50 في المئة ليصل إلى 1.5 مليون طن، وتعرّض
القطاع الصناعي الذي يتركّز حول دمشق وحلب إلى ضربة قاسية. وبحسب تقرير صادر عن بنك
بيبلوس، توقّفت نحو 75 في المئة من المنشآت الإنتاجية في حلب عن العمل.

إن تراجع التصنيع يشكل واحداً من أهم العوامل التي ستؤثّر في مستقبل البلاد.
وهو لا يطرح إشكالية في ذاته، لكن عندما تواجهه بلدان نامية، على غرار سورية، كنتيجة
من نتائج الحرب المستمرة، فإن مسارها نحو النمو سوف يتعثر، وتتعطّل قدرتها على زيادة
مداخيلها، وتتأخّر في اللحاق بركب الاقتصادات المتطوّرة. ولاسيما أن سورية لا تملك
بعد الأدوات التي تتيح لها التحوّل إلى اقتصاد خدمات مكتمل المواصفات (وهي الخطوة التي
تلي عادةً الابتعاد عن التصنيع).

فضلاً عن ذلك، تنتقل النخب الصناعية السورية إلى بلدان عربية أخرى. وقد نجحت
مصر في استقطاب الشركات السورية بفضل قاعدتها الصناعية الواسعة وتكاليف الإنتاج المنخفضة.
وكذلك انسحب المستثمرون الأثرياء الذين وظّفوا أموالهم في سورية بعد تحرير قطاعها الاقتصادي
عام 2000، وعادوا إلى إنكلترا أو فرنسا أو الولايات المتحدة أو إلى بلدان أخرى كانوا
يعملون فيها سابقاً. ليس هؤلاء السوريون الذين عادوا إلى المنفى سوى نموذجاً واحداً
عن حركة هروب الرساميل التي تشهدها سورية حالياً. فالدليل الآخر على هذه النزعة تجسّده
بورصة دمشق، حيث خسرت الأسهم 86 في المئة من قيمتها منذ اندلاع الانتفاضة.

وفي السياق ذاته، سجّلت الليرة السورية هبوطاً مدوياً، فقد انخفض سعر الصرف
من 47 ليرة سورية مقابل الدولار عند اندلاع الثورة إلى نحو 300 ليرة حالياً، بحسب الأرقام
الرسمية. كما يبلغ التضخّم 170 في المئة، لكن النسبة الفعلية، كما تعكسها أسعار السلع
المحلية، أكثر بكثير. إضافة إلى أن الاحتياطي الأجنبي الذي كان يبلغ 18 مليار دولار
قبل النزاع، تراجع إلى ما بين 2 و3 مليارات دولار، بحسب التقديرات، وذلك بسبب لجوء
الحكومة السورية إلى بيع العملات الأجنبية لتثبيت أسعار الصرف المتقلّبة. كما أن مستوى
الاحتياطي الأجنبي هو حالياً السر المحاط بالتكتّم الأكبر في البلاد. لكن ما زال بإمكان
نظام الأسد الاعتماد على حلفائه، إيران وروسيا تحديداً، لمساعدته على تمويل الواردات
وتحمّل التكاليف المتزايدة للحرب. وفي هذا الإطار، قدّمت إيران خطاً ائتمانياً لسورية
قدره 3.6 مليارات دولار، إلا أن السؤال الأهم هو ما إذا كان بإمكان إيران، في خضم المصاعب
الاقتصادية التي تتخبّط فيها، أن تستمرّ في إرسال الأموال إلى حليفها على المدى الطويل.

يعتمد كل من النظام السوري ومجموعات المعارِضة المختلفة على شركاء في الخارج
للحصول على احتياجاتهم من المواد الغذائية ومصادر الطاقة، الأمر الذي يؤدّي إلى انعدام
التبادل التجاري بين المناطق السورية في المدى الطويل ويقود إلى مزيد من التفكّك الاقتصادي.
وقد استُبدِلت العائلات السورية التي كانت تزاول التجارة في السابق بالمهرّبين والتجّار
الصغار الذين يبدون استعداداً أكبر للمجازفة. كما ظهرت طرق تجارية جديدة بين سورية
وميناء مرسين التركي على البحر المتوسط، حيث تصل البضائع المتّجهة إلى سورية ويُعاد
توضيبها ومن ثم شحنها إلى الحدود. ويمكن قول الشيء نفسه عن لبنان، ففي حين تنظر عائلات
التجّار التقليدية في بيروت بعين الارتياب إلى هذه الممارسات التجارية الجديدة، ينشط
التجّار الصغار والمهرّبون الذين يعبرون المناطق المؤيّدة للثوّار السوريين على غرار
عرسال لتسليم المواد الغذائية أو المحروقات.

مما لا شك فيه أن الديون الخارجية الكبيرة، والتراجع الشديد في التصنيع، والانقسام
بين المناطق تجعل إعادة بناء الاقتصاد السوري مهمّة شاقّة. إلا أن بناء الاقتصاد يجب
أن يكون جزءاً من عملية تهدف إلى وضع هيكلية متماسكة للسلطة. وهكذا، فيما يمضي الفرقاء
المعنيون قدماً بمحادثات الحل، يجب التطرّق إلى الإجراءات اللازمة لتحقيق المعافاة
الاقتصادية إلى جانب المسائل السياسية والإثنية والدينية والمذهبية التي تقع في صلب
النزاع. قد لا تحتل إعادة بناء الاقتصاد أهمية بقدر إنهاء القتال، إلا أن إيلاءها اهتماماً
الآن يساعد على نجاح الحل السياسي في المدى الطويل.

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *