الرئيسية / تحقيقات / “المواطن.. دمه وماله حلال للنظام” فساد مصرفي منظّم في سورية يقوده موظفون حكوميون بدعم مخابرات الأسد

“المواطن.. دمه وماله حلال للنظام” فساد مصرفي منظّم في سورية يقوده موظفون حكوميون بدعم مخابرات الأسد

درعا- خالد السباعي

منذ اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، انتشر الفساد بكافة أنواعه
بصورة لم نشهد لها مثيل. حيث تجد الفساد الفردي القديم الحديث في سوريا والذي يمارسه
صغار الموظفين الحكوميين ممن ليس لهم صفة أمنية، فقد بات بعض الموظفين، مهما كانت
صفتهم الوظيفية، لا يألون جهداً في سلب ما يستطيعون من المواطن دون حسيب أو رقيب ,
كما تجد مافيات الفساد المرتبطة مباشرة بالأفرع الأمنية، وهذا هو أخطر أنواع الفساد،
خصوصاً بعد أن أطلق النظام يدهم في المجتمع فباتوا أشبه بالوباء الذي يتغلغل في بنيان
المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

آخر صيحات الفساد

أحد أنواع الفساد الذي استحدثته تلك المافيات الأمنية هو الفساد المصرفي
الذي تعددت مظاهره وباتت واضحة كوضوح الشمس، حيث أصبحت أرصدة السوريين ممن غادر
البلاد هارباً من الموت في المعتقلات نهباً لتلك المافيات. كما لم ينج حتى من
اعتقل من تلك العمليات، حيث يتم الضغط عليهم من قبل جلاديهم في السجن لمعرفة
حساباتهم المصرفية.

وعن أنواع هذا الفساد، تقول السيدة ن .ص، مديرة في مدرسة من مدارس إحدى القرى التابعة
لمحافظة درعا لـ”صدى الشام”، بأنها تملك رصيد 1250000 في مصرف توفير
البريد في مدينة الصنمين بدرعا. ولدى مراجعتها المصرف لسحب مبلغ من الرصيد اكتشفت
أن رصيدها 50000 ل.س فقط، رغم أنها لم تجر أي عملية سحب، وهذا ما يثبته دفتر توفير
البريد الخاص بها والذي يسجل فيه كافة عمليات السحب والإيداع التي يقوم بها العميل.
وعند مراجعة إدارة المصرف أنكرت الإدارة علمها بالموضوع ووعدت بإجراء تحقيق. ولا يزال
هذا التحقيق جارياً منذ ثلاثة أشهر بدون نتيجة.

في حين تكشف المعلمة ك.ع أن أقساط القرض الذي سحبته من المصرف العقاري،
والذي يتم اقتطاعه شهريا من راتبها لم يدفع منذ عامين. حيث أنها قامت بالذهاب لأحد
فروع المصرف العقاري في مدينة دمشق نظرا لعدم إمكانية الوصول إلى فرع المصرف
العقاري في محافظة درعا، ونظرا لأن الموظفين في فرع المصرف العقاري الأخير لا يكلفون
أنفسهم للرد على الاتصالات الهاتفية للعملاء، فبين لها الموظف المسؤول في فرع دمشق
أنه لم تصل أي إشعارات بتسديد الأقساط منذ عامين، وأن حجم هذه الأقساط يصل إلى
200000 ل.س. وبعد عرض مشكلتها أمام زملائها من المعلمين قام من سحب قروضاً منهم
بمراجعة ذات المصرف ليكتشفوا أن ما قد وقع لها قد وقع لهم. فذات المحاسب المكلف
باقتطاع أقساط القروض من رواتبهم، والذي هو عضو في قيادة حزب البعث في محافظة درعا،
يقوم باقتطاع الأقساط لكنه لا يقوم بإيصال الإشعارات للمصرف العقاري. وأثناء تقديم
الشكوى لإدارة المجمع التعليمي تم اكتشاف أكثر من مئة مدرس لم يتم إيصال الأقساط
التي يقتطعها المحاسب من رواتبهم للمصارف منذ عامين. علما أن متوسط أقساط القروض
للـ 100 معلم تتراوح بين 6000-12000 ل.س شهريا. واللافت في الأمر أن المحاسب
المذكور، وبعد تقديم المعلمين لشكواهم، اختفى مع رواتب أكثر من خمسين معلماً كان
من المفترض أن يوصلها لهم. وأشيع حول اختفائه خبرين، الأول أنه قد تم اختطافه من
قبل عصابات مسلحة وأن سيارته وجدت مركونة في أشرفية صحنايا، والخبر الثاني أن
اقاربه اختطفوه استنادا لخلافات وشجارات عائلية.

بالمقابل يؤكد المعلم أ.ع
لـ”صدى الشام”، “ذهب لمصرف توفير البريد في الصنمين لسحب الأموال
المودعة من قبلي، والتي تبلغ قيمتها 500000 ل.س، ولكن لم أجد في حسابي سوى 5000. وبعد
استفساراي حول الموضوع تبين لي أن هناك شبكة من الموظفين يزورون في عمليات السحب.”
لافتاً أن، ” المضحك المبكي أني عندما
قررت أن أشتكي قام الموظفون المعنيون بعملية التزوير، خوفا من فضيحة أمرهم، بإعطائي
مبلغ 300000 ل.س على ثلاث دفعات مع وعود بإعطائي المبلغ المتبقي لاحقاً.”!

من جهة أخرى يكشف السيد س.ف لـ”صدى الشام” أنه تم إشاعة
خبر حول قيام أحد الموظفين والمدعو ب.م في المصرف المذكور بسحب مبالغ من المصرف
واستثمارها. من ثم إعادتها للمصرف بعد استثمارها.

ليس درعا فقط ؟

موضوع أقساط القروض التي تقتطع من رواتب الموظفين ولا تصل إلى المصارف لا
يقتصر على محافظة درعا. حيث تؤكد المهندسة المدنية ر.م لـ”صدى الشام”، “تم
الحجز على راتب أحد كفلائي لعدم تسديد عشرين قسطا من القرض الذي سحبته من المصرف
التجاري في حمص، رغم أن الأقساط كانت تقتطع من راتبي شهرياً بانتظام. وكعادتها،
تقوم المصارف السورية بإجراء تحقيق يستغرق أشهرا بلا نتيجة. وفي نهاية المطاف اضطررت
إلى إعطاء قيمة القسط شهريا إلى
كفيلي.”

بالمقابل يوضح السيد س.م لـ”صدى الشام” ما حدث معه أثناء توجهه
إلى المصرف العقاري في مدينة جبلة لإيداع مبلغ نقدي وقدره 100000 ل.س، فيقول:
“عندما توجهت إلى الكوة لإيداع المبلغ طلب مني أمين الصندوق 7000 ل.س بحجة أنّ
المبلغ الذي استمله هو 97 ألفا، فقلت له أن
المبلغ هو مئة ألف كاملة وأقسم على أني عددت المبلغ مرتين قبل دخولي المصرف، إلا أن
أمين الصندوق أصرَّ على أن المبلغ ناقص.”

ويضيف، “تراجعت عن الكوة قليلاً لأراجع نفسي، وفجأة علا صوت امرأة عند الكوة نفسها
بالأيمان المغلظة وهي تقول لأمين الصندوق أن “مبلغ الستين ألف كامل وقد عدّدته
قبل دخولي المصرف وإن كان ناقصا فقد نقص عندكم”. ولايبدو أن السيد س.م كان مخطئاً، وإن صح ذلك، فهل يا ترى الشخص الثاني
مخطئ أيضاً؟ أم أنّ عمليات السرقة والنصب صارت فنونا.

فساد أمني منظم..

أما عن فساد أجهزة الأمن، فيقوم عناصر من أفرع المخابرات المختلفة بتزوير
وكالات تسمح لهم بسرقة الحسابات المصرفية للمعتقلين بعد الضغط عليهم في الأفرع
الأمنية لإعطاء أرقام حساباتهم. حيث يؤكد السيد س.ع ، مدير أحد فروع المصارف
الحكومية في دمشق لـ”صدى الشام”، بأنه تم اعتقال شبكة من موظفي المصارف
المتعاونين مع بعض عناصر الأمن في سحب الأموال بوكالات مزورة من حسابات معتقلين.
ليس هذا فقط بل أن عناصر الأمن كانوا يعدون قوائم بأسماء من هم في الخارج من
السوريين وعليهم تهمة المعارضة ويستولون على ما تركوه من أرصدة لم يستطيعوا سحبها
نتيجة خروجهم السريع من البلاد خوفاً من الاعتقال. حيث يقوم موظفو المصارف
المتعاونين مع الأمن بكشف أرقام حسابات هؤلاء المعارضين.

قد لا يكون ما يقوم به عناصر الأمن بتوجيه رسمي صريح، ولكنه يقع ضمن سياسة استباحة
أي شيء يعود لأي شخص عليه شبهة المعارضة، تلك السياسة التي ينتهجها النظام السوري،
حيث يطلق يد أفرعه الأمنية في هذا الإطار دون حسيب أو رقيب. و تتسابق اليوم الأفرع
الأمنية على اغتنام أي منزل فارغ تركه أصحابه هرباً من الملاحقة الأمنية كما أكد
بعض المواطنين السوريين ممن هجروا البلاد، إذ يقوم عناصر الأمن بوضع يدهم على
منازل من هم خارج البلاد من السوريين بحجة الأسباب الأمنية مستعينين بالإجراءات
الجديدة المفروضة على الدوائر الحكومية والتي تسمح للأفرع الأمنية بالاطلاع على أي
وكالة يقوم بها شخص لأخر للتصرف بأملاكه، وخاصة الوكالات الخارجية التي يرسلها
السوريون إلى سوريا والتي تتطلب مصادقة وزارة الخارجية السورية عليها، والتي
بدورها ترفعها إلى ما يعرف بالفرع الخارجي العائد لأمن الدولة لإجراء دراسة أمنية
على الموكل. وقد حصلت عشرات الحالات التي يقوم فيها أفراد هذا الفرع باستغلال
الوكالة لبيع أملاك الموكل لأنفسهم عبر تواطؤ موظفي الدوائر المختصة معهم كشبكة
للتزوير والنصب. حيث تقول السيدة ن.ح بأن زوجها أرسل إليها وكالة ببيع وتأجير
منزلهما من إحدى الدول العربية، وحين وضعت في وزارة الخارجية للمصادقة عليها اختفت
الوكالة. وعند مراجعة موظفي وزارة الخارجية، قيل لها بأن الفرع الخارجي قام بسحبها
حيث أن زوجها عليه مشاكل أمنية، لتكتشف بعد مدة أنه تم إحضار من تنتحل شخصيتها
لتقوم بموجب الوكالة ببيع المنزل. وعندما اشتكت تم تمييع الموضوع وإدخالها في
دوامة من الإجراءات الروتينية، ناهيك عن التهديدات التي تلقتها من مجهولين
بإخفائها عن وجه الأرض. ومن يستطيع اليوم في دمشق أن يخفي شخصا عن وجه الأرض سوا
من استطاع سحب الوكالة من وزارة الخارجية؟

تطمينات خلّبية وحصانات أمنية!

يحاول النظام التعتيم حول تلك الحالات من الفساد وامتصاص غضب الشارع عبر
التصريحات الكثيرة الصادرة عن مسؤولين في سوريا، ومنها تصريح رئيس حكومة النظام، وائل
الحلقي الذي أكد على “حرص حكومته على اجتثاث مظاهر الفساد من مفاصل الدولة
والمنظمات عبر تعزيز الأجهزة الرقابية وترسيخ مبدأ الشفافية للارتقاء بأداء القطاع
الحكومي ومطالبته باتخاذ قرارات الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش مباشرة دون
تباطؤ، مؤكداً حرص حكومته على التصدي لمظاهر الخلل والفساد، وأنه لا حصانة لأحد
ولا أحد فوق القانون.”

وتعليقاً على كلام الحلقي يوضح الدكتور س.خ نائب مدير إحدى المصارف
السورية، ” تناسى الحلقي أن الحصانة
لا تزال بأيدي الأشخاص المدعومين أمنياً، الذين يستبيحون أموال المواطنين ويختلسونها
بدون أي رادع أخلاقي أو ديني أو إنساني، والذين يمارسون الفساد بشكل متكرر ومقصود.”
متسائلاً، ” كيف لهذا الكلام أن يصدق والنظام فاسد من رأسه حتى أخمص قدميه،
فرأس النظام ومنذ توليه انتقل في خطاباته من مكافحة الفساد إلى مطالبة المواطنين
بعدم القلق مما اعتبره أخطاءً غير مقصودة، وهذا ما ورد في خطاب قسمه عام 2000
(علينا ان نكافح الهدر والفساد مع الأخذ بعين الاعتبار نسبة من الخطأ غير المقصود
والتي لا يجب أن تقلقنا وإنما المطلوب عدم تكرارها). فبعد كل هذا الفساد المستشري
والقتل والدمار، ألم يقلق رأس النظام بعد.”

في نهاية المطاف الضحية الوحيدة هو المواطن غير المسنود، والذي يتحمل
كافة الخسائر الجسدية والمادية والمعنوية و”من تم ساكت”، بالأحرى من فم
تكبله قيود الأجهزة الأمنية. فمكافحة الفساد اليوم أصبحت مرتبطة بهذا النظام
الراعي لعمليات الفساد المنظمة، وتلك حقيقة بات يدركها العالم أجمع. وكل مشكلات
سوريا تزول بزوال هذا النظام.

سوريا أعمق مأساة
إنسانية في التاريخ بشهادة كل المنظمات الإنسانية التي عملت في الثورة. لكن ما
عرفته تلك المنظمات وما سلط عليه الإعلام الضوء يبقى نزراً يسيراً من آلاف المآسي
والقصص المؤلمة التي تحدث للإنسان السوري. ذاك الإنسان الذي لم يوفر النظام السوري
وسيلة لإذلاله، وقتل الروح المتمردة التي أظهرها حين ثار عليه، من قتل وتشريد
واعتقال وتدمير لما يملكه هذا الإنسان من ماض وحاضر ومستقبل، حتى أصبح هذا الإنسان
بدمه وماله مكافأة من النظام لكل من دافع عنه. حيث بات عناصر النظام، من جيش وأمن
وشبيحة، عبارة عن مافيات منفلتة من رقابة القانون، وبطبيعة الحال من رقابة الأخلاق
والضمير، لا يمنعها أي شيء عن سلب وإذلال المواطنين في المناطق التابعة للنظام.
ويبقى المواطن السوري هو الوحيد الذي يدفع الثمن، إما من دمه في معتقلات النظام أو
برصاصه او ببراميله المتفجرة. ومن ينجو بدمه لم ينج بماله أو ممتلكاته.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *