حسام جبلاوي
تستمر آلة الحرب قتلا وتهديما بالبشر والحجر في
سوريا، تمضي لتسرق معها أحلام الشباب والفتيات بأن يكونوا آباء وأمهات. يرى البعض
أنه فيما يمضي الرجال في حروبهم، تدفع النساء الثمن من سعادتهن، فتغيب أصوات الزغاريد.
وتدفن أحلام كل فتاة بالزواج والأطفال.
مؤخراً توصلت إحدى الإحصاءات التي أشرفت عليها
إذاعة هولندية إلى أرقام مخيفة عن نسبة النسبة العنوسة في الوطن العربي، وأظهرت
هذه الإحصائية أن نسبة (العانسات) في سوريا وصلت مؤخراً إلى 70%، وتعو هذه النسبة إلى
تزايد عمليات القتل والاعتقال والحصار والتشريد والضيق المادي والهجرة بسبب الحرب
في سوريا.
تشير آلاء، وهي خريجة جامعية من مدينة اللاذقية،
إلى أن “الأطفال والنساء والشيوخ هم معظم من تصادفهم اليوم في شوارع المدينة”.
كما تبرر سبب عدم زواجها حتى اليوم بعبارة “ما ضل شباب بالبلد “. وتفسر:
“القبضة الأمنية وملاحقة الشباب واقتيادهم إلى الخدمة العسكرية أفرغت المدينة
من الشباب. نحن لا نسمع بحفل زفاف ضمن الحي إلا نادرا”. وأمام هذا الواقع ومع
صعوبة الوضع الاقتصادي ترى آلاء أن “معظم الأسر أصبحت تقبل بإرسال بناتها
للزواج خارج البلد ودون أن يعلموا الكثير عن العريس”. وتضيف: “العديد من
المقبلين على الزواج يفضلون أيضاً الارتباط بشخص من ذات المكان الذي هاجروا إليه
تخفيفا للنفقات”.
من جانب آخر، تعاني بعض الفتيات من الانتظار
الطويل، كضحى، التي استمرت خطبتها لأكثر من 5 سنوات في انتظار قرار تسريح خطيبها
من الخدمة العسكرية. تشتكي: “لقد مللت
الانتظار ولا أمل قريب بالحل. دفعني هذا للانفصال رغم إدراكي بأن الارتباط مرة
أخرى قد يكون بعيد المنال”. أما مهند، وهو أحد المقاتلين في صفوف إحدى
الجماعات الإسلامية فيرفض، رغم بلوغه الثلاثين من العمر، الزواج لسبب يعتبره “جوهريا”،
وهو “احتمال موته في أي لحظة أثناء المعارك”.
في السياق، زادت الضغوط المادية وفقدان الكثير
من العائلات لمسكنها من عزوف الشباب عن الارتباط. ويختلف تأثير العامل المادي، بحسب
أحمد، “تبعا للمنطقة”. ويوضح “في المناطق الساخنة يقل تأثير هذا
العامل كثيرا فمعظم الأهالي هناك تخلوا عن فكرة الاحتفال والذهب والمتطلبات الأخرى،
وأصبح وجود غرفة واحدة مع بعض الثياب الجديدة أمرا يدعوا للموافقة. أما في مناطق
تعتبر بعيدة نوعا ما عن المعارك، فإن هذه التسهيلات لا تزال غائبة رغم الضيق
المادي”. وفي هذا الجانب، يذكر الشاب الحمصي أن “تكاليف الزواج المرتفعة
أخرت زواجه حتى اليوم، رغم توفر المسكن. فأجور الحفل وأسعار الذهب وفرش المنزل
والثياب، جميعها باهظة. قد أعمل لأعوام لأحصل على ثمنها”. وعن الحلول يرى
أحمد أنّه “من الأفضل أن تعي الفتيات تغير الواقع وتضحين ببعض أحلامهن، ولا
بأس بعدها أن يسعى الطرفان لتحسين الوضع بعد الارتباط”.
وتشير الإحصائيات إلى ارتفاع معدلات الزواج في
المناطق الساخنة أكثر من غيرها. ويعود ذلك، بحسب الكثيرين، إلى استغلال الرجال
للظروف السيئة التي يمر بها أهل الفتاة وعدم وجود أي تكاليف لمثل هذه الزيجات.
عريس النت
أمام اختفاء الشباب من المجتمع السوري والضغوط
النفسية والاجتماعية، وفّر تطور وسائل التواصل الاجتماعي للشباب مساحة أتاحت للبعض
التعرف على شريك الحياة ثم الزواج. وتتزايد اليوم نسبة ما يسمى “زواج النت “،
حيث أضحت ظاهرة منتشرة على نطاق واسع. ورغم غياب أرقام وإحصائيات لأعداد الزيجات
التي تمت من خلال العالم الافتراضي، تعتبر هدى، الرافضة تماماً لمثل هذا التعارف،
أن “البنات اليوم يعيشون قصص حب وهمية، أبطالها بعض الجمل المغرية التي تحفظ
بين السطور، وذاكرتها تصنع من صور القلوب التي ترسل عبر العالم الافتراضي”. كما
لا تعتبر أن هذا النوع من التعارف قد يحد من نسبة العانسات كثيرا لأن “غالبها
لا ينتهي بالزواج”.
وعلى النقيض يرى الأخصائي الاجتماعي نبيل السيد
أن “الزواج عبر النت قد يكون حلاً مناسبا، وهو ليس وليد اليوم. وترفع من ضرورته
الظروف الراهنة. ويعتبر آمنا وجيدا إذا توافر الوعي اللازم عند الطرفين”. ويلفت
السيد إلى أن “الأهل أصبحوا أكثر تساهلا في قبول هذه العلاقات، خاصة في حال
تأمين مستقبل جيد للفتاة كالسفر إلى إحدى الدول الأوروبية”.
زواج القاصرات تهديد آخر
على صعيد متصل، زادت الأحداث التي تمر بها
البلاد كثيراً من معدل زواج القاصرات في المجتمع، لأسباب عديدة فكرية واقتصادية
واجتماعية. وعن الأسباب توضح الباحثة الاجتماعية ريم يوسف أن “مجتمعنا الشرقي
اعتاد أن يزِّوج الفتاة منذ أن تفتح عينيها على الحياة، خوفاً من انحرافها وانجرارها
خلف هذا الشاب أو ذاك، بحجة أنها مراهقة، أو أن أي شاب تصادفه يكون فارس أحلامها مهما
كانت مواصفاته. فيتسببون لها بزواج مبكر يؤثر على صحتها النفسية والجسدية ويتسبب
بالكثير من المشاكل الأسرية والاجتماعية”. وتضيف الباحثة “زادت الحرب من
معدلات هذه الزيجات بسبب محاولة الكثيرين استغلال ظروف تلك الفتيات وأسرهن”.
وعن علاقة مثل هذه الزيجات بارتفاع نسبة العنوسة تجيب ريم “من كان يرفض تزويج
ابنته القاصر قبل الحرب غير رأيه اليوم وقام بتزويجها، وهو ما أثر على الفتيات في
أعمار من 23 إلى 30، وزاد من نسبة العانسات في أوساطهن”.
يذكر أن إحصاءات المسح لعام 2002 عن صحة الأسرة في
سوريا، أوضح أن هناك ارتفاعاً في سن الزواج، إذ اعتبر أن متوسط عمر العزوبة عند الذكور
قد بلغ 30 عاما، وعند الإناث 26. وقد سجل المسح وقتذاك، أن نسبة إجمالي غير المتزوجين
من الذكور 29.4%، ومن الإناث 25.6%. وتظهر الإحصائية نفسها أن نسبة العانسات من الإناث
في سورية أكثر منها عند الرجال فكيف هو الحال اليوم بعد خمس سنوات من القتال
والخراب.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث