الرئيسية / رأي / النفخ بقربة مقطوعة

النفخ بقربة مقطوعة

عبد
القادر عبد اللي

هزت
تركيا عمليتان مسلّحتان استهدفت إحداهما مدعٍ عام، و
كانت الثانية هجوماً فاشلاً
بإطلاق النار على مديرية أمن اسطنبول، وقُتلت المهاجمة، وأصيب شرطيين بجراح خفيفة.
تبنت العملية منظمة جبهة وحزب التحرر الشعبي الثوري، ولكن المواقع الإلكترونية
“الثورية” سرعان ما استخدمت اسم “معراج أورال” ونسبت الخبر
إلى صحيفة “يني شفق”.

لعلني
راسلت المواقع الإخبارية عشرات المرات بعدم وجود شخص اسمه “معراج” وأن
الشخص المقصود هو “مهراتش”، وعلى الرغم من تشابه الاسمين بثلاثة أحرف
فإن الفارق كبير جداً، ولكن لا حياة لمن تنادي.

أخبار
المواقع الثورية هذه المرة زادتها كثيراً بنسب العمليتين للشخص الافتراضي المدعو
“معراج أورال”، ولكن الحمد لله أنهم يذكرون اسمه الحركي الذي أعطاه إياه
النظام “علي كيال” بشكل صحيح، وللتأكيد عن مصداقيتها نسبت الخبر إلى
جريدة يني شفق التركية.

كان
شعار المتظاهرين في بداية الاحتجاجات: “الإعلام السوري كاذب/ كاذب، كاذب،
كاذب”. ولو نظمتُ مظاهرة الآن لوجب أن يكون شعارها: “الإعلام الثوري
جاهل/ جاهل، جاهل، جاهل”. الجهل ليس عيباً، ولكن شريطة أن يعرف الجاهل جهله،
ويعمل على تصحيحه. ولكن الإعلاميين الجدد بغالبيتهم يعتقدون أنه لا فرق بين حديث
المقهى، وكتابة بوست على الفيس بوك، وكتابة خبر لموقع إخباري يسمي نفسه وكالة
أنباء.

جريدة
“يني شفق” تصدر بالعربية والتركية، وبإمكان المتابع لو أراد أن يعود إلى
الجريدة لمعرفة الخبر. لا عتب على متابع عادي فهو وجد ضالته، وربط العمليتين
بالنظام السوري، وأراح نفسه بأن النظام السوري يدعم الإرهاب. ولكن المواقع
الإخبارية “الثورية” كلها نقلت الخبر بصيغته “الجاهلة” دون
العودة إلى الخبر الأصلي، وهذا لا يفعله إلا جاهل أو مغرض. ولعب هذا الخبر دورين
خطيرين:

الأول:
نسب لشخص هو مجرد تاجر مخدرات، وليس له أي عناصر على الأرض في تركيا عمليات عسكرية
متعددة بدءاً من عملية مهاجمة الواقفين بالدور على الفيزا الأمريكية، والهجوم على
قصر ضولمة بهتشة حيث مكتب رئيس الحكومة، والهجوم على مقر حزب العدالة والتنمية
إضافة إلى العمليتين الأخيرتين. وكأن تاجر المخدرات، صهر الأسرة المالكة في سورية،
لديه جيش في تركيا يحارب الحكومة.

الثاني:
كثرة الكذب تفقد الثقة، وتجعل الناس يلجؤون إلى مصادر أخرى تقدم الأخبار بصورة
أكثر مكراً.

العمليات
التي جرت في تركيا كلها هي من تنفيذ “جبهة وحزب التحرر الشعبي الثوري”. وهي
منظمة شيوعية كانت تعمل ضد النظام في تركيا، وقد كان “مهراتش أورال” قد
أسمى منظمته قبل سنوات طويلة بالاسم نفسه باللغة التركية وإضافة كلمة المستعجلون،
ولكن في الترجمة العربية تغيرت كلمة واحدة أخرى هي: “التحرر” لتصبح
تحريراً، فمنظمته كان اسمها “جبهة وحزب التحرير الشعبي الثوري –
المستعجلون” وقد انتهت هذه المنظمة منذ زمن طويل، ولم يعد لها وجود، واستبدل
الاسم إلى “الحركة الشعبية لتحرير لواء الاسكندرون”. وهذه الحركة تضم
بضعة أشخاص هم على الأغلب موظفون عنده، يتقاضون رواتب. وليس لهذه المنظمة أي وجود
على الأرض التركية. حتى إن تركيا، إثر اتفاقية أضنة، طالبت بقائمة أسماء طويلة
كانت موجودة في سورية، وسلمت السلطات السورية بعضهم، وطردت البعض الآخر. ولكن
مهراتش أورال لم يكن على تلك القائمة، لا هو ولا شركاؤه، ولم تطالب به تركيا، مما
يدل على اعتبار الحكومة له بحكم المنتهي، ولا يشكل أي خطر عليها.

بعد
القطعية بين النظام السوري وحكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا، قدم النظام هذه
الشخصية أثناء مجزرة البيضا، ليقدم رسالة ما. والمرة الأخرى التي برز فيها اسم هذا
الرجل هي عملية تفجيرات الريحانية، التي راح ضحيتها ثلاثة وخمسين شخصاً، ولم تثبت
المحكمة التركية التي تحاكم الفاعلين أي ارتباط أيديولوجي بين الفاعلين ومهراتش
أورال سوى التمويل. أي أن مهراتش مجرد وسيط استأجر بضعة أشخاص من عالم الإجرام
مقابل مبلغ من المال لتفخيخ سيارة.

منظمة
جبهة وحزب التحرر الشعبي الثوري التي قامت بهذه العمليات هي منظمة ستالينية أسسها
“ضرصون قراطاش/
Dursun
Karata
ş“، كانت موجودة في دمشق، وقد طردها النظام السوري عام 2003،
وأعادها عام 2011، وكادت تختفي قبل انطلاق الثورة السورية. ولكنها سرعان ما عادت
إلى الحياة، وهناك بعض الأدلة على إعادة النظام السوري علاقاته بهذه المنظمة،
ويمكن إدانته بالارتباط بها. ولكن النظام السوري ليس مجموعة متسكعين على مقهى
ليقدم للعالم دليلاً على أنه يرعى منظمة مصنفة إرهابية في العالم كله، لذلك كانت
اتصالات العناصر المنفذين للعملية كلها مع رفاقهم في اليونان، وليس في سورية.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *