وفاء نديم
إن كل إنسان يُعتبر مشروع شخصية
روائية، وإن حياته هي مادة خصبة للرواية يمكن الانطلاق منها لكشف بعض الألغاز
وتفكيكها من خلال سبر الأعماق وتظهير الصور المخبوءة في عتمة الدواخل. هذا
جزء من رؤية الناقد و الروائي ، هيثم الحسين،
و هو الذي تطرق أيضاً إلىبعض أسرار الروائيين في اختلاقهم
لشخصيات أبطالهم ورسمهم للملامح المميزة لهم، واقتفائهم لآثارهم في الروايات
والحياة، وكيف أن كل ما ومن يحيط بالروائي يظل مرشحا للنهوض بدور من أدوار البطولة
في إحدى رواياته.
التقت “صدى الشام” الروائي، هيثم حسين، للوقوف على آخر أعماله،
وكان للتجليات اللغوية للثقافة الكردية،
بعضاً من الحديث مع هيثم حسين.
– “الشخصيّة الروائيّة.. مِسبار الكشف والانطلاق”
آخر كتبك. هل تفشي “سرّ الصنعة” في هذا الكتاب. تنظَر في كتابة الرواية وتكتبها.
هل من تقاطعات بين الإنتاجين؟
تظلّ للصنعة الروائيّة أسرارها التي لا تنكشف، ولا يمكن إفشاؤها. وربّما يكون
الانطلاق من روح المغامرة في مقاربة الصنعة وسبل ترويضها، لاكتشاف بعض الجوانب التي
تفصح عنها على ألسنة الروائيّين، أو من خلال شخصيّاتهم وأبطالهم، أو عبر سلوكيّاتهم
وتصرّفاتهم، هو ما يحفّز على النبش والتنقيب وإثارة الأسئلة.
لا أزعم التنظير، بل أسعى إلى نوع من التنوير على بعض ما “يقترفه”
الروائيّ من ممارسات في أعماله، وكيفية رسمه لشخصيّاته. وهنا أحاول أن أكتشف، مع الروائيين
ومن خلال قراءة ما بين سطورهم، الخيوط التي يهندسون بها عوالمهم. ومن جهة كشف سرّ الصنعة
والإفشاء به، ألا يجب أن أكون مالكاً ومكتشفاً لسرّ الصنعة حتّى أفشيه؟
كلّ كتابة هي اكتشاف للذات وللآخر. أكتشف في أعمال الآخرين جوانب من ذاتي.
والتقاطع بين الرواية والنقد يشحذ أدوات الكتابة والتصوير والتوصيف والحفر في أعماق
الكاتب وطيات الرواية وطبقات الواقع والتاريخ.
– تذكر أنّ كلّ إنسان يُعتبر مشروع شخصية روائية. وبالتالي
يمكن القول، إذا ما أسقطنا واقعيا شخصية رضوان بطل رواية إبرة الرعب، أن كلاً منا “إنسان”
أيضاً، يملك أداة لترهيب الآخر وربما قتله؟ هل يمكن تعميم الفكرة؟
ليس فقط كلّ إنسان هو مشروع شخصيّة روائية، بل كلّ شيء في الوجود مرشّح للنهوض
بدور شخصيّة في الرواية، من خلال أنسنته وإضفاء صفات مميزة عليه، وخلقه وفق تصوّر الروائيّ
وبما يخدم عمله. فقد يكون الشارع شخصية روائية، أو الشجرة، أو النهر، أو البحر، أو
حيوان من الحيوانات، أو آلة من الآلات. ومن هنا فإنّ عالم الرواية يتّسع ليشمل العوالم
كلّها، ويعيد إنتاجها وصياغتها وبلورتها.
في حالة التخصيص، والحديث عن شخصية رضوان في “إبرة الرعب”، أعتقد
أنّ في داخل كلّ امرئ شيئاً من رضوان. فهو مزيج من الطيبة والشراسة، من العدوانية والمُسالمة،
يجسّد الضحيّة والجلاّد في الوقت نفسه، ويبرهن أنّ الضحيّة حين تنهض بدور الجلّاد تصل
إلى درجة فظيعة من التشفّي. يحمل كلّ امرئ وسائله الدفاعية وآلياته الحمائيّة، ويحاول
تطويرها باطّراد كي لا يقع في فخاخ الآخرين. لذلك يحضر نوع من البحث عن تمتين المتاريس
الدفاعيّة، وهي في عالم الانتقام، وسيلة متّبعة. ولا يخفى أنّ الإنسان يصل إلى درجة
مرعبة من العدوانية، وهو أشرس من الوحوش الضارية. فتاريخ البشريّة يثبت أنّ الشرّ معمّم
أكثر من الخير، وما الحروب المستعرة المتجدّدة في أكثر من بقعة إلّا دليلاً على هذه
الروح الوحشيّة الكامنة في النفوس. وكلّ فكرة تنزع حصّتها من التعميم وتحظى بقسطها
من التخصيص. لذلك فإنّ التعميم يحتمل لبْساً أحياناً، وتبسيطاً في أحيان أخرى.
– يقيّم البعض رواية” إبرة الرعب” على أنها
تكثيف للايروسية، وتتبعٍ لها من المنشأ وصولاً إلى تجلياتها العليا. ألا يؤطر هؤلاء
ما كتبته في إطار يضيق على تكثيفات أخرى ضمتها الرواية؟
تختلف القراءات للعمل، ويتباين القرّاء، وكلّ قارئ ينظر من وجهة نظره وتبعاً
لخلفيّته الثقافية وأرضيّته الفكرية. وإن كان ينطلق من موقف مُسبق أو يسعى لتأطير العمل
بنظرة مقولبة. ربّما هذا التقييم، أو التوصيف، يكتفي بالنظر من سَمت بعينه، وتهميش
الجوانب الأخرى. الوقوف في زاوية محدّدة وزعم إطلاق أحكام عامّة أو معمّمة، اشتغال
لا يخلو من مجازفة، وتضييق لزوايا النظر أو تهميش وإلغاء لها. أي أنه نوع من التعامل
بفوقيّة ووصاية مع النصّ والقرّاء، وافتراض أنّ الغاية -السبل مقتصرة على جوانب أو
محاور معيّنة فقط. في حين أنّ أيّ رواية هي قطعة، أو مشهد، من حياة متشعّبة لا يمكن
الإلمام بها، ومن الظلم تقييدها بحكم أو قول أو تعريف أو توصيف أو تقييم بعينه.
طرحت في روايتك شخصية تشكل حقيقة إشكالية مجتمعية لها
علاقة بمثليي الجنس، والبحث عن الذات، وإثبات الوجود. ما الرسالة التي تودّ إيصالها
أو ربما ترسيخها؟
كلّ رواية تحمل العديد من الرسائل وتسعى لإيصالها. ولعلّ القول بأنّ المجتمع
خالٍ من “الشذوذ”، وإسباغ صفات الطهرانيّة على الأفراد والجماعات يستبطن
خداعاً كبيراً، ويحمل بذور الإشكاليات كلّها. لأنّ الخطوة الأولى الصحيحة لمعالجة أيّة
علّة هي عبر التشخيص الدقيق لها، وتحديدها، ومن ثمّ العمل على محاصرتها وتحجميها. أيّ
مجتمع هو بحر من التناقضات والنقائض. ويستلّ الروائيّ مشاهده من تلك الصراعات والعوالم
ليبني عالمه الروائيّ، ويحمّله بالمراميز والرسائل المطلقة في فراغ الزمن، كوجهة نظر
وشهادة تحاول لملمة التفاصيل وإكمال لوحة صغيرة في معرض مفتوح لا يمكن وضع حدود أو
أطر له.
– عناوين رواياتك فيها: أوجاع وخطيئة ورعب. أيمكن اعتبارها
مداليل على ما تريد إظهاره من قاع المجتمع؟ أم هي كناية عن راهن فيه ما فيه من الأوجاع؟
ملاحظة جميلة منك. لم أتقصّد ذلك. لكن هذه الثلاثية تختصر حياتنا كأبناء الشرق.
وبخاصّة في ظلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي دنّست كلّ مناحي الحياة وأفسدتها، بحيث يكاد
يستحيل العثور على مَن لم يتلطّخ بأجزاء من هذه المعادلة الإجراميّة. وجدنا أنفسنا
في طاحونة دائمة الدوران، تسحقنا في كلّ دورة، ونحن نواظب على المكابرة على جراحنا
ومداراتها، ونحاول تحدّي الرعب، ثمّ نتّهم بالخطّائين في عرف مَن نصّبوا أنفسهم آلهة
علينا.
ليس ذاك عالم القاع، بل هو متغلغل في كلّ ثنايا المجتمع من قاعه لقمّته. ومع
إقراري بضبابيّة مفاهيم القاع والقمّة، إلّا أنّ البشر يتشاركون في هواجسهم ووساوسهم
ورعبهم وخطاياهم. كلّنا رهائن لأفراح أو أوجاع أو خطايا أو مخاوف بمعنى من المعاني.
يختلف الوعي بالأمر عن تجاهله وادّعاء عدم وجوده.
في شرقنا يتداخل الواقعيّ بالأسطوريّ بالسرياليّ بطريقة رهيبة، ويكاد أحدنا
يفقد الخيوط بين الوهم والخيال والواقع. فحكايات كثيرة تحاصرنا، قصص عن الجنّ والعوالم
الأخرى تسكن خيالنا، تتداخل الخيوط بين الكناية والاستعارة والتورية والواقع. يحمل
الشيء نقيضه معه، يحمل بذرة تدميره الذاتيّ ولعنة فنائه في تكوينه.
– البعض يريد ان يسأل هيثم حسين هل هناك رواية كردية؟
بالمعنى الناجز الحاضر؟ أين تتمظهر التجليات اللغوية الأبرز للثقافة الكردية. في سورية
على وجه الخصوص؟
يحتدم جدل بين عدد من الكتاب حول تبلور الرواية الكردية التي تعدّ من الفنون
الحديثة التي طرق أبوابها الكتاب الكرد. كما لا يمكن فصل الرواية السورية عن الرواية
العربيّة، فإنّه لا يمكن فصل الرواية المكتوبة بالكردية في سوريا عن تلك الكردية الموجودة
في تركيا أو العراق أو إيران. ولا شكّ أنّ الرواية الكردية تعاني، شأن الكردي نفسه،
كثيراً من المصاعب، ذلك أنها تنتعش تحت تأثير الآداب الأخرى، وتحاول تطوير تجربتها
عبر التراكم. يبدو الروائي الكردي متأثراً بالثقافة التي درسها، ذلك أنه ظل ممنوعاً
من الدراسة بلغته مدداً طويلة، فهناك المتأثر بالعربية أو التركية أو الفارسية أو إحدى
الثقافات الأوروبية، ثم تحضر الإيديولوجيا التي تلقي بظلالها على الرواية الكردية،
تمارس عليها تقييداً من أكثر من جهة، تُوجِب عليها الالتزام بالقضايا القومية. فترى
الروائي الكردي مهجوساً بهواجس وهموم اقتضتها الظروف التي يعانيها، الظروف نفسها التي
خلقت أجواء غرائبية كابوسية مأسوية، تشكل زخماً لا منتهياً للرواية؛ التي تنهل من التاريخ
والواقع الغنيين بالروايات والمفارقات سواء بسواء. يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح
على الروائي الكردي قيد التجدد باستمرار، وهو سؤال التاريخ والواقع معاً. سؤال الحداثة
والمعاصرة. سؤال الفن ووجهته، وإلى أي حد يمكن له الإجابة عنه..! حينذاك يمكن الحديث
عن رواية ناجزة متبلورة.
– الثقافة ترتبط حيوياً باللغة، هي أداة ووسيلة ومحور
تجلٍ لتلك الثقافة. كردي وتكتب العربية؟ هل فكرت في أن تكتب يوماً بالكردية؟
لست أوّل كرديّ يكتب بالعربيّة ولن أكون الأخير. تعلّمت العربيّة حين دخلت
إلى المدرسة. اكتشفت عالماً آخر مختلفاً. كنت أتلعثم حينذاك وأنا أتهجّى الحروف والكلمات،
لكنّني أحببت العربيّة وعشقتها، وأصبحت مدرّساً للعربيّة لسنوات، حفظت كثيراً من القصائد،
ابتداء بالمعلّقات وصولاً إلى الشعر الحديث، أبهرتني شساعة العربيّة ومنحتني حرّيّة
التعبير عن نفسي وقضية الشعب الكرديّ. ولا أتصوّر نفسي بعيداً عنها، ولا يمكن أن أصف
علاقتي بها ومعها بأنها تشابه إشكالية وقوع المغتصبة في حبّ مغتصبها، بل علاقتي هي
علاقة شغف وتوق لا حدود لهما. هناك مَن وصف رواياتي بأنّها ترجمة بالعربيّة لمشاعر
وعوالم كرديّة، وأنا لا أنكر ذلك، فهو يحمل في جزء كبير منه أمراً واقعيّاً، لأنّ الإنسان
يظلّ ابن بيئته، والأدب مرآته، لكنني أتحفّظ على التقييد، إذ أنّني لا أكتفي بالاقتصار
على تصوير الفضاءات الكرديّة، بل أصبو إلى تصوير الهمّ الإنسانيّ الذي يوحّد جميع البشر.
وثلاثية الوجع والخطيئة والرعب، التي وصفتها، عابرة للانتماءات والأعراق والحدود والأزمنة
والأمكنة.
التفكير بالكتابة بالكردية حاضر ومتجدّد عندي. وأحاول وسأحاول الكتابة بالكرديّة،
لكنّ لا أخفيك أنّ هناك خشية تنتابني كلّما اقتربت أكثر. ومبعث الخشية هو أنّني أكتب
منذ سنوات بالعربيّة، وكلّ قراءاتي بالعربيّة، وثقافتي العلمية وعملي بالعربيّة.
– أين موقع المثقف السوري من الواقع الذي صنعته الثورات
العربية؟
يحتمل الحديث عن مثقّف سوريّ واقع في براثن إشكاليات كثيرة خلافات واختلافات.
لاسيّما أنّه كان بعيداً عن التأثير في الحياة السوريّة، وجاءت الثورة السوريّة التي
أفرزت ثقافة جديدة، وكشفت كلّ ما كان مخبوءاً. يُطالَب المثقّف أن يكون رأس الحربة
في النضال من أجل الحرّيّة، وهو يدرك أنّ الأمر يتجاوز قدراته الفرديّة، لكنّ الهمّ
الكبير والمأساة المتعاظمة المتفاقمة يفرضان واقعاً جديداً، بحيث يجد المرء نفسه أمام
امتحان الإنسانيّة، وليس أمام مقتضيات الثقافة وواجبات المثقّف.
الموقع يتحدّد تبعاً للموقف. قلّ لي ما موقفك أقل لك أين موقعك. ومن هنا تتعدّد
المواقع للمثقّفين، وتتباين المواقف. ولكن ما لا يمكن تبريره هو مساندة مثقّف للطاغية
باختلاق حجج وذرائع واهية، وتحميل عوامل ناشئة وظروف مستجدّة أسباب ودوافع الموقف الذي
يزعم مناصرة الوطن، في حين أنّه يصفع الإنسان والوطن بتحايله ونفاقه وتلوّنه وانتهازيّته.
لا يمكن نزع صفة الإبداع عن بعض مَن عادى الثورة، لكن، شخصيّاً، لا أستطيع تصديق مَن
يعادي آمال شعب بالحرّيّة والخلاص، مهما اجتهد في اختلاق الذرائع والتبريرات والأعذار،
ولا يمكن التماس أيّ عذر لمثقّف يستعذب العبوديّة ويحتمي بسلاح القاتل مَعبراً إلى
قوقعته وسجنه وكوابيسه.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث