وفاء نديم
أن يعود المتحف الوطني العراقي إلى واجهة الهوية الوطنية يعني أن ثمة
ملمح من تلك الهوية عاد إلى أهله. لكن ليس كل عَوْدٍ أحمد. فقد عاد المتحف إلى
أهله بعد أن خسر ثلثي قطعه الأثرية. عشرة آلاف قطعة أثرية عراقية تم تهريبها ونهبها
وسرقتها منذ اجتاحت جحافل هولاكو الأمريكي أرضها في 2003.
بعض العراق “الرسمي” حاول في تصريحات خلّبية أن يبدو الافتتاح
سياسيا، يحمل مدلولات ورسائل إلى من يهمه الأمر، وهو هنا داعش، التي دمرت تماثيل وقطعاً
أثرية في مدينة الموصل. نسي المسؤول العراقي أن داعش وتجار الآثار هم الرابحون، وأن
افتتاح متحف لن يجمل صورة الدمار الذي لحق بجدران الذاكرة العراقية.
بعد أكثر من عقد، يتمكن العراق من استرجاع ثلث قطعه الأثرية المفقودة.
ماذا عن تلك القطع التي لن يستطيع استرجاعها من المزادات والأسواق، الآثار التي تم
تدميرها سواء على يد الدواعش الأميركان، أم التي تدمر حاليا على يد الدواعش الجدد؟
مجازر الآثار ترتكب جهارا نهارا، ولا تجد لها من منددين أو شاجبين. إذ
ثمة مجازر بنكهة مختلفة تحصل أيضا وتجد لها مستهلكين في سوق الاستنكار والشجب. ثمة
من يريد أن يختبئ وراء الدم ليغطي على قضم التاريخ قطعة وراء قطعة.
أنبكي على “ملك مضاع لم نستطع الدفاع عنه كما الرجال”، أم نهرع
للدفاع عما تبقى من ذلك الملك؟ وأيهما أجدى في الدفاع عنه، من يتقدم على من؟ وأيهما
أولى بالحماية أولا؟ الإنسان أم تاريخه؟
في كل الأحوال، ثمة تاريخ جديد يكتبه البشر بدمائهم، في اليمن وسوريا
والعراق وليبيا. يكتبونه دون زخرف وبهرج خداع. وفجيعة العراق تجد صداها في فجيعة سورية
المكلومة على آثارها وأوابدها. ففي الداخل السوري، وفي كثير من الجغرافيا السورية،
تتم عملية ترحيل الماضي إلى الأسواق بشكل مرتب ومنظم. ويتم كذلك تهشيم رؤوس
التماثيل المفكرة من رتبة أبي العلاء المعري. السرقة والنهب وكل مفردات اللصوصية
والاتجار هي أعمال منظمة تتم في وضح النهار، يتعاطاها من يرون فيها مجرد دولارات.
هي حال من الانشقاق عن النسق الناظم للهوية. السرقة هي عدم اعتراف برابط
يربطنا بهذا المسروق. التهشيم يعني أن لا رابط بينك وبين المحطم، وأنه غريب عنك
حتى العداوة. السرقة والتهشيم والاتجار مفردات دافعها أن لكم تاريخكم ولي تاريخي. لو
كان التاريخ بعضا من حاضرك لما هشمته ولا تاجرت به.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث