الرئيسية / Uncategorized / استنهاض ثقافة السلام

استنهاض ثقافة السلام

محمد طلعت حمدي

ما أحوج الدول العربية ذات الحضارة القديمة، من العراق وسوريا ومصر
والشمال الأفريقي، لتعميم الفكر السلمي بعد انتشار الفوضى والإرهاب وغياب قيم
السلام المجسدة لروح الإسلام ومثلها العليا، التي بارت فتزوجت بالإرهاب الفكري المتأسلم،
فأنجبت جيلا للدواعش المتباهين بنشر مشاهد القتل الجماعي والإبادة وقطع رقاب المسلمين
(بيد المسلمين). كل هذا أدى، في نهاية الأمر، إلى تلويث الصورة الحضارية لمفهوم السلام
وتعاطي المسلمين له.

وهذا ليس وليد اليوم أو الظرف السياسي المتعثر الراهن، بل له من الجذور
ما هو ممتد في عمق العقل العربي الإسلامي، والذي يعيق التنفس الصحي لأجيال اليوم. فأمر
البحث عن السلام في كتب التراث الفقهية أمر شاق جدا، قد يخرج منه الباحث كارها لهذا
السلام المشروط، وفقا لما صوره عتاة إجرام الفقه الإسلامي ومفكروه.

ويبقى السؤال الشائك، هل جاء الإسلام بثورة سلمية أم ثورة حربية يقودها العبيد
والمستضعفون في الأرض لنشر حقدهم الطبقي والعقائدي الذي لا يقبل الآخر المختلف معهم
ويحلل بلع ثرواته وبيته ونساءه، إلا إذ جنح لسلم طبقا لشروط السلم التي حددها فقهاء
الإسلام سلفا، والمشروط باعتناق الدين وإلا فلا شفاعة له؛ فالتنكيل والسلب والنهب والذبح
والحرب مصير تجارته وأمواله وعياله!

فلا مخرج من هذا المأزق، العقائدي أولاً والإنساني ثانياً، إلا بتناول هذا
المبحث بالدراسة والتحليل لحاجة المجتمعات للتعايش في ظل التسامح القائم على نشر ثقافة
السلام الإنساني الرباني. وإن مشكلة هذا المبحث تكمن في كيفية توظيف السلام كأسلوب
ثقافي وحياتي، يسهم في تكوينات العقل البشري ومكوناته، لتقديم صورة فاعلة لتطبيق المنهج
السلمي في الإسلام، أي المنهج السلمي الإسلامي (الاحتوائي). فعند النظر والتأمل في
رغبات المجتمعات الدولية وفي إلحاحها بضرورة التعايش في ظل السلام كنوع من أنواع أحقية
الحياة الضرورية للإنسان، نجد المجتمع العربي الإسلامي يعيش في عمق جب التوتر والاستعداء
الدائم، ليس في رفض الغريب عنه بل في رفض ابن جلدته وبلده، في ظواهر انقسامية حادة
سواء سياسيا، أو عقائديا، أو عرقيا، أو جنسيا، ومؤخرا ثوريا. مما يجسد صورة سلبية عن
السلام في هذه المنطقة.

وعلى الرغم من ذلك، فثمة توحيد (ظاهري) لهذه المنطقة، فتدين بالإسلام (أغلبية)
ناطقة باللغة العربية، فضلا على تعددية العادات والتقاليد والثقافات. وإن لكل بلد أو
لكل أقلية مجموعة إثنية تتميز بطابعها الثقافي ونظرتها الخاصة لمفهوم السلام. وهذا
يخلق نوعا من التمازج والتلاقح الثقافي، يؤدي بالضرورة إلى إثراء تعددية مفاهيم السلم
وسبل التعايش. فهل يمكن تحويل هذا من مجرد أمر ظاهري إلى يقين راسخ في العقل العربي؟

يتحقق هذا بالاعتناء بثقافة السلام في فرضها وتعميمها في مناحي الحياة داخل
مؤسسات المجتمع المختلفة سواء الرسمية أو المدنية. وهذا يتم على المدى البعيد من خلال
مناهج التعليم كجزء أصيل في تطوير المجتمعات. مناهج فعلية وليست مجرد شعارات وقوالب
قولية بائرة. وهنا يكمن التحدي الأكبر لعلماء الأمة ومثقفيها في استنهاض فكر السلام،
لنشره كأسلوب حياة في النفوس البشرية العربية والإسلامية كنماذج فعالة داخل المجتمع
الدولي الأكبر.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *