ثائر الزعزوع
رغم مشاعر الحزن والأسى التي تميز الكثير من
كلامنا، ورغم المأساة من لحم ودم وتاريخ وجغرافيا التي نعيشها منذ أربع سنوات،
ورغم تشردنا في أرجاء الأرض، إلا أن كل هذا لا يمنعنا من القول، وبثقة تامة، إن
زمن بشار الأسد وعائلته قد انتهى إلى غير رجعة. ومهما حاولت إيران أو غيرها من
الدول بعث الحياة فيه فإنه مات سريرياً منذ ذلك الهتاف الذي زلزل أركان حكمه. هذه
هي الحقيقة الوحيدة التي يعيها أفراد العصابة التي تحتل سوريا، ولذلك فإنهم لا
ينفكون يدمرون ويقتلون، فهم يعرفون ألا رجعة، وأن كل ما يقومون به الآن ومن قبل
وربما بعد قليل ما هو إلا محاولات يائسة لا لإطالة عمر بقائهم ولكن لتحسين ظروف
خروجهم. ربما لا يريدون أن ينتهوا نهاية شبيهة بنهاية القذافي، أو آل رومانوف أو
لويس السادس عشر، ربما هم يفضلون نهاية شبيهة بنهاية زين العابدين بن علي، لكنهم
بكل تأكيد لا يحلمون بنهاية مثل نهاية علي عبد الله صالح. فإن كان السفير الأميركي
السابق في سوريا روبيرت فورد قد أعلن مؤخراً أن على المعارضة السورية
“المعتدلة” أن تقبل التعامل مع بشار الأسد، وهو الذي أعلن وفي الأشهر
الأولى للثورة أن نظام الأسد قد انتهى، فإن كلامه لم ولن يلقى آذاناً صاغية لا لدى
المعارضة السورية فحسب بل لدى جميع السوريين. وإذا كانت إدارة أوباما قد خيبت آمال
السوريين عشرات المرات وتركتهم يقتلون ويشردون وهي ترسم الخطوط الحمراء هنا وهناك
حتى تحولت إلى مثار للسخرية، وإذا كانت إرادة الدول الأوروبية التي أسهمت بالإطاحة
بنظام القذافي قد فترت وقلت حماستها ببساطة لأن سوريا لا تنتج مليوني برميل نفط
يومياً، فإن الشعب السوري لم يمل ولم تفتر همته أو حماسته، ويستطيع السيد فورد كما
يستطيع المستر أوباما أن يتأكدا من ذلك من خلال مراقبة ولمدة دقيقة واحدة فقط لصور
الأطفال وهم يلعبون ويضحكون رغم أنهم يبيتون في مخيمات لا تقي أجسادهم الغضة برد
الشتاء القارس. هذه حقيقة هذا الشعب، وكما أن بضع هتافات أطلقتها حناجر الشباب
كانت كفيلة بزعزعة حكم آل الأسد، فإن تلك الهتافات نفسها أزالت كل أثر للخوف من
نفوس السوريين من صغيرهم إلى كبيرهم، وباتوا قادرين على السخرية من تصريحات أوباما
وهولاند وكاميرون، وتأليف النكات عن قلق بان كيمون، وأبدعت كفرنبل كل مرة في نقل
نبض الشارع الذي تحرر والذي تخلص من نير الاستبداد مرة وإلى نهاية عمره، ومن يعش
حراً يوماً صعب عليه أن يعود أسيرا.
قد لا يدرك السيد فورد هذه الحقائق كلها، وهو
الذي يتباهى بحسن معرفته لخفايا الشرق الأوسط، وتحديداً سوريا، وهو الذي يتحدث العربية
بطلاقة، وقد تابع الثورة منذ يومها الأول، والتقى بالعديد من السوريين من كافة
المشارب قادة وثواراً وسياسيين مثقفين وكادحين، وكوّن، كما ينبغي، فكرة لا بأس بها
عن التغيرات التي حدثت للسوريين الذين بات الرفض خصلة من خصالهم، بعد أن طبعتهم
الموافقة سنوات طويلة وكانوا يهزون رؤوسهم بنعم، ولولا التشهد لكانت لاؤهم في
الصلاة نعم. فما الذي حدا بفورد ليقول ما قاله، وخاصة بعد أن أعلنت واشنطن أنها
نقلت الملف السوري من يد الخارجية إلى يد وزارة الدفاع، أي أن الخارجية فشلت في
إدارة هذا الملف وفي إيجاد صيغة مناسبة لإنقاذ واشنطن لا لإنقاذ السوريين،
فالسوريون قادرون على إنقاذ أنفسهم، وهم قادرون على استعادة سوريا رغم هذا الألم
والجراح. وقد خرج الملف السوري لا من يد الخارجية بل من يد الإدارة الأميركية منذ
زمن طويل، منذ شهر آب الكيماوي المقيت عام 2013 حين أطلق الطاغية سمومه وكراهيته
على الغوطة، وحين لوحت واشنطن بعصاها الغليظة مهددة متوعدة ثم تراجعت وتراخت. منذ
ذلك الحين لم يعد سوري واحد يصدق ما يقوله أي مسؤول أميركي بل إن بعضنا بات يفعل
عكس ما تقوله واشنطن تماماً. ثم جاءت الإدارة الأميركية لتستكمل إجراءات طلاقها
النهائي مع سوريا المستقبل حين هددت وتوعدت تنظيم داعش، وبدأت بعد أشهر حملة دولية
ضده لم تسفر عن إخراج داعش من أية منطقة باستثناء كوباني، كل هذا الكذب المتلاحق
وضع الولايات المتحدة في موضع الراعي الكذاب فلم يعد أحد يصدقها، بل وبتنا متأكدين
أنها تعمل بالتوازي مع المشروع الإيراني لتمزيق المنطقة فهي تغض الطرف عن كل ما
تفعله طهران وتكتفي بشد وجذب في الملف النووي الذي يريد أوباما أن يحقق من خلاله
إنجازاً واحداً يحسب له بعد مغادرته البيت الأبيض وهو الذي لم يستطع إغلاق معتقل
غوانتانامو الرهيب وقد كان مدرجاً كأول بند من بنود حملته الرئاسية. وما دامت هذه
حال واشنطن وقادتها فإن السوريين رددوا طيلة الفترة الماضية: ما حك جلدك غير
ظفرك… فافعل بنفسك كل أمرك، وهم باتوا على قناعة أن العالم كله كان يخدع الثورة
ولا يريد نصرتها، وأن الإدارة الأميركية كانت رأس حربة بيد النظام لا ضده، وآن أوان
الموجة الثورية الثانية التي ستقتلع كل الزيف الذي مر خلال السنوات الأربع
الماضية… الثورة مستمرة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث