الرئيسية / Uncategorized / جناية الأسماء

جناية الأسماء

عمر يوسف سليمان

هكذا مر بنا ابن قتيبة
الدينوري بكتابه (أدب الكاتب)، كان الطابور يتقدم لتسليم ملفات التسجيل في السكن
الجامعي، وصلتُ إلى الموظف فنبهني إلى أنني نسيت ختمَ البلدية، وعليَّ أن أعود
إليها. ناشدته أن يتغاضى عن الأمر، فتقديم الطلبات يكاد ينتهي، كما أن جميع
المعلومات مرفقة وموثقة، فأعاد النظر إلى الملف، وعندما رأى اسمي قال: مشكلتك
عويصة.

-لماذا؟

– عمر

-ماذا يعني؟

-سني

كان ابن قتيبة قد خصص في
كتابه فصلاً بعنوان (أصول أسماء الناس)، مُرجعاً إياها إلى معانٍ إنسانية طبيعية. فقد
انتسب العرب قديماً إلى أسماء النباتات والحيواناتِ اتقاءً لشرها أو اعتزازاً بها،
لكننا في كتب تراثية أخرى كـ (الأغاني) و(ألف ليلة وليلة)؛ لا نكاد نجد أسماء، بل
ألقاباً تدل على مهنة، كـ (الصياد) و(الحدَّاد)، أو على دين أقلِّي، (نصراني) أو
(يهودي). فالاسم كان يأخذ دلالته من خارجه وليس العكس، أما التصنيف الطائفي الذي
نشهده اليوم فهو ارتداد إلى عصر أكثر سوءاً من عصر القبيلة.

كان أبي ينتظر ضيفه الثاني وقد
قرر أن يسميه: عمر، بسبب عشقه لشخصية “عمر بن الخطاب”، لم يعترض أحد من
العائلة، لكنهم بعد سنوات بدأوا يختلفون
حول أيٍّ من الـ
“عمرات” سوف يكون؟ قائداً مسلماً قوياً مثل عمر بن الخطاب؟ أم عادلاً مثل
عمر بن عبد العزيز؟ آخرون كانوا أكيدين من أنه سيكون شاعراً وطنياً مثل “عمر
أبو ريشة” أو جميلاً مثل “عمر بن أبي ربيعة”، لماذا لم يتوقعوا أن يصبح
مخامراً كـ “عمر الخيام”؟ وحدها جدته تنبأت بأن مستقبله “عمر
المختار”، ولا أذكر أنهم فكَّروا يوماً بـ “عمر الشريف”.

أجلس وحدي وأنادي بصوت خافت: عمر، فيتردد الصدى في أحشائي، كأنني أغفو
هاوياً في بئرٍ وأحد ما أعرفه وقد نسيت اسمه يوقظني. في قاموس المعاني نجد أن أصل
اسم “عمر” مشتق من العُمْر، أو من “الإعمار”، هو أيضاً جمْع
“عُمْرة”، لكن بعيداً عن
اللغة، يبقى داخلنا إحساس
لا تفسير له يُكسب الاسم شكلاً خاصاً به، حسب كل فرد ومرجعياته وما عاناه أو فرح
به تجاه اسمه، فاسمي مثلاً: “عمر” يذكرني بجناح فراشة مقطوع ووحيد، ربما
لأنه ممنوع من الصرف.

تقول إحدى الأمثال الهندية
(اسمك هو مصيرك)، لكن الاسم في العالم العربي قد يكون حتفك، اسمي يصنفني بشكل
متأصلٍ وفق الطائفة السنية، وكأنه رايةٌ كُتب فوقها: لا إله إلا الله، محمد رسول
الله، وحين تتم معاملتُكَ طائفياً فتجد نفسك مدفوعاً إلى الدفاع عن عدم انتمائك، مع
أنك ترى أن الأمر بلا معنى، فأنت متجاوز لهذا المستوى من التفكير، لكنك مضطر إليه تُغلَّفُ
بإحدى (المعلبات) الدينية، مجرد أن تتبدل ملامح الآخر، تزداد انفراجاً أو انقباضاً
فور معرفته باسمك لأسباب طائفية، فإنه يسلبك إنسانيتك.

تُغيِّر بعض العائلات أنسابها
حين تهاجر من مناطقها في الحروب والاضطرابات السياسية، فتنتسب إلى عائلةٍ أو قبيلة
معروفة حماية لها أو وبحثاً عن الوجاهة،
لكن مشكلتي كانت معاكسة، فلقبي “سليمان”، وهو إذ يجتمع مع الاسم يصبح: عمر سليمان. في بداية الحراك
المصري عام 2011، لمع اسم: عمر سليمان الذي استلم منصب نائب الرئيس المخلوع
“حسني مبارك”، كنت حيثما تنقلت في سوريا أسمع اسمي عبر الفضائيات. كثيرون
قاموا بإضافتي على الفيس بوك ظناً منهم أنني أستخدم اسماً حركياً لإعجابي بـالرجل،
لذلك غيرت اسمي، فأضفت إليه اسم أبي “يوسف”.

في فرنسا، “عمر” يصنِّفُ
صاحبه عربياً، لكنه لا ينمُّ عن دين، أما اسمي الثلاثي الجديد فيبلغ طوله في
الفرنسية عبارة كاملة، بعضهم يظن أنه مركب من “عمر يوسف”، وبعضهم
يناديني باسمي الثنائي المزعج، لم أكن يوماً سعيداً باسمي، ولم أنشأ مسلماً
متديناً كالخليفة المعروف مثلما تمنى أبي، إذاً لم يكن لي من اسمي؛ أقصد من
أسمائي، ولو أدنى نصيب.

لكل منا قصص كثيرة مع اسمه،
مشكلاته وانتماءاته وموسيقاه، وحين لا نختار أسماءنا تتحول إلى جناية تُرتكب
بحقنا، مع أنه ما من أحد تقريباً قد اختار اسمه! لذلك يبقى الاسم سوراً غير مرئي
يفصلنا عن ذواتنا، وفي عصر البروباغندا كثيراً ما يكون الاسم أهم من الإنجاز، هو بوابة
أو جدار، أما في الظروف السياسية والاجتماعية المتشنجة التي نشهدها اليوم، يزداد
حصار الاسم لصاحبه، مهما قلت باسمك سيتمُّ وضعك في إطار ما، فتتمنى أن تغير اسمك
كي تحطم الصورة التي أخذها الآخر عنك، والتي لا تُظهر في الحقيقة سوى ما يريدك أن
تكونه. في كل الأحوال سئمتُ من اسمي، لكنني لم أعد أود تغييره، أود أن أتعرى منه وأرميه
من النافذة، ثم أبقى دون اسم، فحقاً لم أعد أعرف ما أسَمَّى، ربما هذا هو اسمي.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *