الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / عن السياسة الأمريكية.. وداعش

عن السياسة الأمريكية.. وداعش

رانيا مصطفى

حرق تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”،
منذ عدة أسابيع، الطيار الأردني معاذ الكساسبة حياً، في مشهد هوليودي متقن الإخراج
والتصوير، ومتقن التمثيل أيضاً. وهو يعرض صوراً جديدة، وبنفس الإتقان، لأشخاص
يعدّهم للحرق أيضاً.

هذه
المشاهد “الداعشية” تستفز وسائل الإعلام المختلفة، لتقديم ردود أفعال
متباينة، بعضها مندد بالجريمة وبداعش، وأخرى تشمت بالضحايا وبحكوماتهم، كونهم
مشاركون لقوات التحالف الدولية في حربها على تنظيم الدولة، دون المساس بمراكز
النظام السوري. ومواقف أخرى سارعت إلى تبرئة الإسلام من جرائم داعش، بالضدّ من
آخرين، رأوا أنّ التّراث الإسلاميّ تضمّن عقوبة حرق المتّهم بالكفر حيّاً.

لن ندخل في تفاصيل تلك المواقف، فهي شأن
أصحابها. لكن ما يستوقف المرء في الفيديوهات والصور التي يبثها داعش هو الاحترافيّة
العالية التي ينفّذ بها، والرّسالة السياسيّة السريعة الوصول التي بعثها داعش في
تفاصيلها.

لقد استطاع داعش استثارة المشاعر عبر عرضه لهذه
الفيديوهات والصور المروّعة، مشاعر صارخة بحجم همجيّة الجريمة، مشاعر تهيّج الشعوب
التي ينتمي إليها الضّحية ضدّ داعش نفسها، وتحفّزها لتؤيّد حكوماتِها على التعامل
بوحشية مماثلة مع تنظيم الدّولة وما شابهه؛ أي أنّ تلك المشاهد الهوليودية تهيّج
المشاعر لدعم همجيّة مماثلة لهمجية مشاهد داعش. ولكن ليست همجيّة هوليودية وحسب،
بل بهمجيّة حقيقيّة من الحكومات وضدّ شعوبها إذا ما أرادت الانتفاض.
وحرق دوما وقتل أطفالها مثال واضح عن جرائم نظام الأسد،
والتي بات من الصعب حصرها.

والحجّة وجود الإرهاب، وأولويّة محاربته، قبل
التفكير بتلبية مطالب الشعوب في تقليل حجم النّهب باسم الحكومة لصالح المافيات
التّجارية المسيطرة، وذلك عبر الضرائب وعبر رفع الدّعم عن الخدمات والسلع الأساسيّة،
وللمطالبة بتوفير فرص العمل والدخل الكافي، والحريات العامة والديمقراطية.

بالعودة إلى نشأة داعش، نجد أنّها خرجت من كنف
جبهة النصرة التّابعة لتنظيم القاعدة، والأخير كان قد ضعف كثيراً بعد مصرع قائده
في أفغانستان أسامة بن لادن، وقائده في العراق أبو مصعب الزّرقاوي. لينشأ تنظيم
جديد يراد له أن يعمل في سورية والعراق وغيرها، حيث الثورات المتصاعدة، والتي قد
تطيح بالأنظمة وتفرض مسارات سياسيّة وبالتالي اقتصاديّة، تخرج عن سيطرة الهيمنة
الأمريكيّة.

النّظام السّوري كان وراء نشوء جبهة النصرة،
عبر الجهاديّين الذين أخرجهم من سجونه بمراسيم العفو، وملأوا المناطق السوريّة
المحرّرة من كتائبها المحليّة، أو التي انسحب منها النظام. ولاحقاً انشقت داعش
عنها وشكلت دولة الخلافة، المخترقة أمنياً من قبل مخابرات دول عديدة، وأولها
الولايات المتحدة الأمريكية. وبالتالي أمريكا هي من يتحكم بسلوك داعش السياسي
والإعلامي، بما يخدم شيطنة داعش عبر تضخيم جرائمها وقدراتها العسكرية بمثل تلك
المشاهد الهوليودية. هذا ما استخدم لدعم تدخّل قوّات التحالف في الأراضي السوريّة
والعراقيّة، بعد نشر فيديو ذبح الصحفي الأمريكي.

استراتيجيّة أمريكا وحلفائها في المنطقة في
محاربة داعش تقول بقصف جوي “لمقاتلي التنظيم وقتلهم واحداً واحداً. طبعاً
الإدارة الأمريكيّة ليست غبيّة لتتبع تلك الاستراتيجيّة؛ هي قادرة على الحد من تمدّد
داعش لو أرادت ذلك فعلاً، لكنّها لا تريد. واكتفت وعبر مجلس الأمن بإصدار قرار
يمنع تمويل التنظيم.

داعش شماعة لتدخلاتها، ولتبرر عدم نيتها
الجدية بإسقاط نظام الأسد، حيث لا يوجد بديل سياسيّ وعسكري يعمل تحت سيطرتها. وهي
تخشى من دعم أيّ فصيل معتدل في الداخل، حيث لا تأمن ألا يخالف إرادتها، حين يدعمه
الشعب والبيئات المحليّة. وبناءً عليه هي تسعى لإنشاء جيش بديل، كليّ الطاعة لها،
تدربه وتسلحه هي، وتحدد مهمته في محاربة داعش فقط. وأعتقد أنها تعده أيضاً ليحلّ
محلّ جيش النظام لحظة الاتفاق على حلّ سياسي يطيح بالأسد.

سياسة أمريكا الحقيقية، وغير المعلنة، هي
استغلال الإرهاب، بل وخلقه. فهي غير معنية باستئصال الإرهاب الداعشي بشكل جدي، ولا
بالتخفيف من معاناة الشعب السوري من إرهاب النظام، والذي فاق إرهاب داعش بأضعاف؛
فقد مارس كلّ أصناف القتل، وتلذّذ بها، ارتكب المجازر الجماعية بالطائرات الحربية
والمدافع وبالسّلاح الكيماوي المحرّم دوليّاً، وبالغازات السّامة، وبالرّصاص الحيّ،
وبالتّعذيب المتوحّش في المعتقلات. فضلاً عن الآثار الناتجة عن كلّ ذلك، من انهيار
الوضع الاقتصادي، وهجرة الشبّان إلى دول اللّجوء، والنزوح الداخلي والخارجي إلى
المخيمات، حيث الموت جوعاً وبرداً.

السياسة الأمريكية معنيّة بحلّ أزماتها
الاقتصادية، وخلق توازن دولي بين الدول العظمى، المتصارعة على السّيطرة على العالم؛
فاستمرار الحرب السورية لأمد طويل يعني بقاء البلاد مفتوحةً كسوق للسلاح أقلّها.
من هنا لا أحدَ معنيٌّ بإنهاء داعش، أو إنهاء النظام.

وغير ذلك، الدول العظمى معنية بجعل سورية دولة
ضعيفة تماماً، لا تقوى على النهوض من أزمتها. وبالتالي أن تبقى تحت رحمة تلك
الدول، ورحمة بنوكها وصناديقها الدولية؛ بما يعني الاستدانة منها، واستمرار جدولة
الديون وإجبار الحكومة المقبلة على تخفيض النفقات، وبالتالي أن تبقى مديونة لتلك
البنوك إلى الأبد، وخاضعة لشروطها في إلغاء كل الدّعم للمواطن، ومنع حكومته من دعم
الصناعة والزراعة، وإجبارها على الاستمرار في سياسة تحرير الأسواق وفتحها أمام
البضائع غير السورية. لذلك فإن الدول العظمى والدول الإقليمية تغذي حرباً مذهبية
في المنطقة، تغرق البلاد بمزيد من الأزمات.

وهذا
يعني استمرار المعاناة السورية، واستمرار التهميش؛ حيث أنّ البيئات المهمّشة في
العالم كلّه هي البيئات المنتجة للمتطرفين الذين يقاتلون لصالح سياسات الدول
العظمى والحكومات التابعة لها لوأد تحركات الشعوب نحو العدالة الاجتماعية ونظام
الحقوق المتساوية أينما ظهرت.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *