أحمد العربي
بعد أكثر من شهرين، لا تزال المأساة التي يعيشها أكثر من ثلاثمائة ألف مواطن، من قاطني حيي الجورة
والقصور في مدينة دير الزور مستمرة. تلك المأساة الناجمة عن الحصار المطبق الذي
يفرضه تنظيم الدولة عليها، كعقوبة للأهالي كون الحيين يقعان تحت سيطرة قوات النظام.
وكأن الناس هم من اختاروا أن يقعوا تحت قبضة هذا الطرف أو ذاك.
هذا الحصار الذي شمل منع دخول الأغذية والأدوية منعاً
باتاً، شمل أيضاً قطع كافة أنواع الاتصالات عن الحيين من قبل التنظيم. مما أدى إلى
ارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية والأدوية لندرتها، حيث وصل سعر الكيلو
غرام الواحد من السكر إلى 7 آلاف ليرة سورية، ومن الشاي إلى 12 ألف ليرة وأسطوانة
الغاز إلى 9 آلاف ليرة. كما يقوم مخبز واحد في المدينة بتحضير الخبز، فيما فقدت
الأدوية، وبخاصة أدوية الضغط والقلب، والوقود واللحوم والدجاج، وأصبح غالبية
السكان يعتاشون على زراعة بعض الخضار في حدائق المنازل. فلم تعد تجد في أسواق
الحيين سوى البصل الأخضر والفجل، والقليل من السبانخ والتي وصل سعر الكيلو غرام
الواحد منها إلى 1800 ليرة سورية. وما يفاقم حجم الكارثة هو أن غالبية السكان في
الحيين من الموظفين الحكوميين، الذين يعتاشون من رواتبهم والذين نزحوا إلى الحيين
من باقي الأحياء لتركز الدوائر الحكومية فيهما، أي أن جلهم يسكن في بيوت مستأجرة
حيث يبلغ متوسط أجرة المنزل 25000 ليرة سورية، وهو ما يعادل متوسط راتب الموظف
الحكومي في سوريا. فكيف يمكن لقاطني الجورة والقصور أن يسدوا رمقهم ولو بالبصل
والفجل، حيث أصبح من الطبيعي أن تشاهد رجلاً أو طفلاً يقع أرضاً من الجوع وأنت
تسير في شوارع الحيين . وينعكس هذا الحصار بطبيعة الحال على كامل المحافظة، بما فيها المناطق المحررة، إذ منع موظفو الدولة من القاطنين فيها من
الدخول إلى الجورة والقصور لتقاضي رواتبهم.
لم
يشعر النظام بعمق المأساة التي يعيشها الأهالي لوجود جسر جوي يقوم بنقل الإمداد
لعناصره ومسؤوليه في المدينة. بل شعر بالحرج بعد أن تم تصعيد موضوع الحصار
إعلامياً، فأرسل دفعتين من السلات الغذائية بالطيران للمدينة لم تكف سوى لأقل من
ثلثي سكان المدينة. وبالطبع لم يفت على أباليس الإنس من أزلام النظام الاستفادة من
تلك السلات، والتي لم توزع على الأهالي المفلسين مجاناً، بل بيعت بأربعة ألاف ليرة
سورية، رغم أن قيمتها بأسعار سوق دمشق لا تتجاوز الألف ومائتي ليرة سورية. ليس هذا
فقط بل ليتبين بعد فترة من تناول الناس لما في تلك السلات من معلبات إيرانية الصنع
أنها منتهية الصلاحية، إذ تم نقل المئات من المواطنين إلى مستشفى الأسد الوحيد في
الحيين بحالات تسمم. ولم يكتف النظام بذلك بل أصدر تعميماً لكافة موظفي الدولة في
الحيين يلزمهم فيه بحضور تدريبات على السلاح لتجهيزهم بغية فك الحصار عن الجورة
والقصور، وذلك بمهاجمة قوات داعش المتمركزة على طريق دير الزور دمشق، علماً أن
غالبية قاطني هاذين الحيين تزيد أعمارهم عن الأربعين عاماً، لإن غالبية الشباب
هربوا من بطش النظام إلى المناطق المحررة أو خارج البلاد. وكأن النظام يقول لأهالي
الحيين من لم يمت جوعاً فليمت برصاص داعش.
لك
الله يا دير الزور، فلطالما سقطتي “سهواً” من الجغرافية السورية، إلا في
الألم، يكال لك الألم السوري أضعافاً.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث