عبد
القادر عبد اللي
لابد
من القول إن التقارب السعودي التركي جيد جداً، وهو من مصلحة شعبي هاتين الدولتين
أولاً، ولعل الشعب السوري المقهور والمكبوت والمشرد هو المستفيد الأكبر من هذا
التقارب، وقد ذكرت في زاويتي هذه من قبل بأن السوريين أكبر المتضررين من الخلاف
السعودي التركي. ولكن البعض يشطّ كثيراً بالتفاؤل بهذا التقارب، ويعتبرونه أنه سيُخرج
“الزير من البير”.
نعم،
أدت القطيعة بين تركيا والسعودية إلى خسارة الطرفين كثيراً، واستفادت منه إيران
أكثر، فخلت لها الساحة وحققت اختراقات هائلة حاصرت السعودية من الجنوب وعززت
قواتها في سوريا… وبات المسؤولون الإيرانيون أكثر عنجهية، إذ أعلن أحمدي نجاد من
مدينة بورصة التركية في حفل ذكرى وفاة نجم الدين أربكان: “اقتربت ساعة موت الشيطان،
وحان وقت اتحاد دول العالم”، ثم تحدث عن النصر العظيم الذي يحققونه على
الاستكبار في سورية… والاستكبار في المفهوم الباطني لديه هو كل من يعتبر عائقاً
في وجه تحقيق الإمبراطورية الساسانية التي قطعت إيران شوطاً طويلاً على طريق
تحقيقها.
ولكن
هل طريق تحسين العلاقات السعودية التركية مفروش بالورود والرياحين؟ ما ظهر على
السطح بأن سبب القطيعة كان موقف الحكومة التركية من الانقلاب في مصر، والدعم
السعودي غير المحدود لانقلاب السيسي، ولكن الانقلاب مازال باقياً ويتمدد! ما هو موقع
نظام السيسي من هذا التقارب، وهل سيجلس بحاله دون أن يأتي بأي ردة فعل؟
بالطبع
بدا السيسي من أكبر المتضررين من هذا التقارب السعودي التركي، وبدأ الندابون الذين
يحملون صفة مذيعين في وزارة الدعاية التي تسمى خطأ إعلام باكراً بحفلات العويل
والتهويل من التلفزيونات المصرية. ومن جهة أخرى، بدأ المفرطون بالتفاؤل توقع نهاية
السيسي فيما إذا تخلت عنه السعودية، وبدؤوا الإحماء من أجل النزول إلى الساحة ونصب
الدبكات احتفالاً… ولكن متى كانت الرياح تسير بما تشتهي السفن؟
صحيح
أن السيسي ليس بدهاء الطغاة الذين سبقوه، ولكن قاعدة اللعب على المتناقضات الدولية
قاعدة ذهبية وهي قاعدة لا يُستغنى عنها في العلاقات الدولية ويعرفها كل سياسي
كبيراً كان أم صغيراً. وعلى الرغم من أن المشهد العام يشي بعودة الاتحاد السوفيتي
بثوب روسيا، ولكن متناقضات المنطقة أهم، والطرف الآخر هو إيران. صحيح أن السيسي
يدلس للولايات المتحدة بحربه ضد داعش، ولكنه من جهة أخرى يعرض خدماته على السعودية
في محاربة الحوثيين في الجنوب، وهو يعرف يقين المعرفة أن السعودية لن تطلب منه
خدمة كهذه، ولا هو قادر على تقديم خدمة كهذه فالجرح اليميني ماثلاً في ذاكرة
المصريين جميعاً من أيام عبد الناصر.
من
المتوقع إثر التقارب التركي السعودي أن يزداد الضغط على الإدارة الأمريكية من أجل
توسيع أهداف التحالف الدولي ضد داعش، وخاصة في الشمال السوري، وقد بدأت المعارضة
السورية المسلحة بالتدريب بحسب ما يقوله المسؤولون الأتراك، ولم تنف مصادر
المعارضة السورية هذا الأمر حتى الآن، ولكن السيسي هل سيدخل هذه اللعبة؟ على العكس
تماماً يمكن أن يحبط أي خطة لتركيا والسعودية، وبالطبع لن يحبطها بقوته الجبارة،
ولكن بحاجة الولايات المتحدة وإسرائيل له من طرف، وباستخدامه الورقة الإيرانية
لابتزاز الخليج من طرف آخر.
دائماً استغرب من تأييد بعض الجماعات التركية لإيران باسم العلمانية، وانتقادها
للحكومة لأنها إسلامية معادية للعلمانية، فكيف لا ترد الحكومة التركية على هؤلاء،
وخاصة أن لديها أطنان من الإدانات لهم من أموال إيرانية تمول تحركات مختلفة على
الساحة التركية.
إنسان، فالقوانين التركية تسمح ببساطة لإيداعهم في السجون ولسنين طويلة جداً، وعلى
الرغم من هذا لا تفعل.. كنت أطرح هذه التساؤلات بصوت مرتفع أمام أحد الأصدقاء،
فابتسم، وقال: “لماذا تضيّق عليهم؟ إنهم يجلبون أموالاً، ويفرغون حنقهم،
ويصرفون أموالهم في تركيا. ألن يرتموا في حضن إيران، ويتحولوا إلى عصابات مسلحة
فيما لو ضُغط عليهم أكثر؟” نعم، إنها إجابة مقنعة… وهي تفسر تماماً العقدة
السيسية.
في خطة تقصقص جناح إيران الشمالي على الأقل في سورية، وهذا ما سيؤثر عليها في
لبنان والعراق أيضاً، وتبدأ مرحلة التقهقر، فهل سيسكت السيسي؟ ألن يرتمي بحضن
إيران ليشكل خطراً أكبر على السعودية والخليج… ألا تعرف السعودية هذا؟ نعم، يقول
المثل العربي: “دخول الحمام ليس مثل الخروج منه”..
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث