عمّار ديّوب
تنفرد فرنسا بالمغالاة في ممارسة الحريات،
وبعلمانية متقدمة عن كافة علمانيات الغرب؛ هي دولة الأحلام بالنسبة للمثقفين العرب والسورين خاصة،
وفيها تعاظم شأن الثورات بنسختها اليعقوبية، فلم تتوقف المقاصل وقطع الرقاب، حتى
استقرت الدولة الحديثة فيها بكل معنى الكلمة.
الرأسمالية الفرنسية، كما الرأسماليات الأساسية، تطورت
إلى حقبة الإمبرياليات في أواخر القرن التاسع عشر، واستعمرت العالم ومارست كل
أنواع القهر والإرهاب والقتل كذلك، و”خزّنت” في العالم أحقاداً وثارات
ومظلوميات دينية وعرقية.
ربما
ستشكل حادثة شارلي مفصلاً في تاريخ فرنسا الغارقة بأزمة اقتصادية عميقة، وأعداد
البطالة فيها تتجاوز المؤشرات الطبيعية، وتتكاثر أحياء الصفيح حول مدنها ويزيد
عددها عن ثلاثمائة حي يقدّر عدد أفرادها بالملايين، وأغلبيتهم من أصول عربية مغاربية
و”إسلامية” خاصة.
وتتنامى
الهوية الدينية فيها بشكل خاص؛ فرنسا كما أمريكا بعد 11 أيلول 2001 تريد الاستفادة
من المجزرة، لتكرس وحدة وطنية خلف نظام مأزوم، وتجاه أزمات لا حلول لها سببتها
السياسات الليبرالية الجديدة، وإذا كانت تظاهرتها المليونية بعد مقتلة شارلي ضد
الإرهاب ترفع شعار حرية التعبير لتقوية الوحدة الوطنية وتقوية النظام الحاكم، فإن التضييق
سيأخذ اتجاهين:
أولهما اتجاه داخلي، حيث سيتصاعد التضييق على
المسلمين والوافدين من بلاد العرب ويتم إغلاق الحدود، ورفض الجوازات الثنائية والتخوف
من سحب جوازات السفر لكثير من المسلمين. بريطانيا فعّلت، قبل فرنسا، قوانين من
القرون الوسطى لمواجهة الإرهابيين البريطانيين العائدين من سورية لاحقاً.
مفهوم الوحدة الوطنية، كان في سورية ومصر والعراق
يساوي تحكماً أمنياً مطلقاً بالمجتمع. طبعاً لا يمكن لفرنسا أن تقترب من أنظمتنا
الشمولية، فهذا زمان لا يتكرر. ولكن مفهوم الوحدة الوطنية مؤشر على سياسة خارجية
جديدة لها، وهي بمثابة هروب من مشكلاتها الخارجية (وهو الاتجاه الثاني وسنتكلم عنه
لاحقاً).
يبرز رأي
عربي هنا، ويقول لماذا لا تعامل فرنسا المسلمين كجماعة وتعترف بهوية إسلامية إلى
جانب الهوية المسيحية! وليس كمواطنين فرنسيين لهم دين خاص به، ويتضمن القول ضرورة
وجود عدّة قوانين متمايزة، منها ما يخص غير الفرنسيين ومنها يخص الفرنسيين! هذا
الرأي لا يعتد به كثيراً، ففي عالم الدول المركزية والعميقة، لا بد من وجود دستور
واحد وقوانين واحدة تنظم شؤون كافة الأفراد ووفق مبدأ المواطنة، عدا عن أنه يتضمن
تجاهلاً للوقائع، والتي تقول إن الإرهابيين لا علاقة لهم بدين معين، وهم فئة قليلة
جداً.
وفي علم
القانون، الجريمة يتحملها من قام بها فقط، وأما عن أسبابها، فإن معالجتها تتطلب
سياسات عامة كتأمين فرص العمل والاختلاط المجتمعي وإنهاء كل أشكال التفرقة العنصرية
والدينية، وربما تكون هذه التفرقة، إضافة إلى غياب فرص العمل، هي السبب الرئيسي في
نمو ظاهرة الجهادية في فرنسا.
الاتجاه
الثاني، ويتضمن مشاركة أوسع في الحروب الخارجية، وها هي تتدخل عسكرياً في كل من مالي،
وسورية، وليبيا، والعراق، وسواها. وبذلك يتكشف المعنى العميق للعولمة، التي يبدو
أنها نُسيت كمصطلح بعد أن أرهقتنا الأدبيات الليبرالية بها، وأنها ستجانس العالم
وتوحده في نظام عالمي جديد، ولصالح كل أمم الأرض، وأن إنهاء تدخل الدولة في أوربا
وسواها سيساعد على بدء تحقيق إنسانية الفرد لا العكس! المفارقة أن ما تحقق بزمن السياسات
الليبرالية المرافقة للعولمة، أي بعد التسعينيات بصفة خاصة، حروب عالمية شنتها
أمريكا وحلفها على أفغانستان والعراق لاحقاً، وتمدّد للقاعدة والجهاديات، وحرب
جديدة ضد الإرهاب؛ فرنسا شاركت أمريكا في العراق، والآن ترسل بعض قواتها إلى
العراق مجدداً. وتعقد الصفقات العسكرية لبيع السلاح إلى مصر.
وهذا يذكرنا بما فعلته أمريكا بعد 11 أيلول حيث
هاجمت أولاً أفغانستان ولاحقاً العراق، وداخلياً تمارس التضييق على الحريات بشكل
عام وعلى العرب والمسلمين خاصة.
إذا لا يمكن لفرنسا ولا لأمريكا حل المشكلات
والتي تؤدي لتنامي ظاهرة الإرهاب العالمي، فهي مسؤولة عن تناميها بالمعنى العام،
وهي دولة عالمية وعولمية، حيث العالم يزداد فقراؤه وتتنامى الحروب وتتصاعد الأصوليات
والعنصرية، وبالتالي من الطبيعي أن يضرب الإرهاب، وبغض النظر عن تسميته، أوربا
وأمريكا كذلك.
يتكرر الحديث عن خطر الإسلاميين الآتين إلى سورية،
وفي هذا لا مشكلة لدى فرنسا وأمريكا، بل لقد سهلوا ذلك بالتوافق مع الحكومة
التركية. وتبدأ المشكلة من التفكير بلحظة عودتهم إلى بلدانهم الأوربية، رغم أن أعدادهم
صغيرة، ولا يشكلون مشكلة حقيقية للدول القوية، فيتم تضخيم المشكلة لخلق وعي
وتصورات وأفكار مشوهة بخصوص العلاقة بين الغرب والإسلام، وعن الدين الإسلامي كذلك.
الواقع
يقول إن الجهاديين تُركوا ليتناموا في أوربا والدول العربية والإسلامية. وكان
القصد تشويه الوعي وإبعاد كل وعي علمي مطابق لحقيقة الكوارث التي يعيشها البشر في
أوربا وغيرها. إذاً الجهادية وتناميها عمل سياسي بامتياز، ولكن ربما ليس من إشراف
مباشر عليهم.
وبخصوص موضوع الجهادية والتشدّد الطائفي برز رأيٌ عالميٌ
يقول إن المشكلة بالأحكام والفقه المتخلف، والذي تكرّس في قرون التخلف، وأنه دون
الخلاص منها، ستظهر تباعاً الجهادية، أو ستظهر لا محالة؛ هذا الرأي يرفض اعتبار القضية
سياسية بامتياز وأن الإمبرياليات، مع الأنظمة التابعة لها، هي المسؤولة عن هذه
الظاهرة، وأن القضية لا علاقة لها فعلياً بفقه موافق للعصر أو فقه غارق في الجهاد
والقتل والحرب ومستقدم من الماضي.
الرأي السابق ينطلق من أن المشكلة بالوعي وليس
بالواقع الاقتصادي والسياسي. وإذ كنا لا نرفض أن التراث لم تتم عملية إعادة إنتاجه
بصورة مستمرة، دون أن نتجاهل إعادة إنتاج جيدة وانشغال حقيقي فيه في فترات النهضة
وفي فترة السبعينيات، أي مررنا بفترات تاريخية لم تكن أحكام القتل والقطع والرجم
وسواها هي السائدة. نضيف أنها ليست سائدة الآن كذلك، ولكنها توظف سياسياً بشكل
مبالغ فيه. وبالتالي، فإن إعادة قراءة التراث وإنهاء أحكام الموت فيه أكثر من
ضرورية، ولكن ذلك لن يجدي نفعاً ما لم يحصل تقدم في الاقتصاد والسياسة والتعليم،
وسيكون الأمر نخبوياً ومقتصراً على جماعات محددة، وهي بالأصل تتبنى الدين كمرجعية
أخلاقية لا سياسية وتضع أحكام “الموت” جانباً.
الدولة الفرنسية وأزماتها وعدم قدرتها على تجاوز المشكلات. الآن، ستستغل ظاهرة
الجهادية الأوربية لتعميق المشكلات داخلياً. وقد تستغل للقيام بالحروب خارجياً؛
ربما يصح القول إذاً أن فرنسا بعد مقتلة شارلي ليست ذاتها قبلها. ونخشى أن تنتقل فرنسا
من بلد الحريات والعلمانية بامتياز إلى بلد الوحدة الوطنية ورفض الأخر المختلف
دينياً وعرقياً، وتعود فرنسا إلى المساهمة في استعمار العالم!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث