ألكسندر أيوب
يعتبر إنتاج سورية من النفط بسيطاً مقارنة بالدول
العربية، حيث تساهم بـ 1.8% من النفط المنتج عربياً. وعلى الرغم من تواضع هذا الإنتاجإلا أنه كان يشكل نحو 24%
من الناتج الإجمالي لسورية، و25% من عائدات الموازنة، و40% من عائدات التصدير. قبل
أن يتراجع إنتاج سورية النفطي من 600 ألف برميل يومياً في العام 1996 إلى 400 ألف
برميل في العام 2006،لينتهي إلى 387 ألفاً قبيل اندلاع الثورة عام 2011.
ويتركز النفط في المنطقة الشرقية من
سوريا، وتحديداً في دير الزور التي تحتوي أراضيها علىأكثر من 50% من نفط
سوريا. حيث تتوزع حقول ومحطات النفط في هذه المحافظة على 9 نقاط (حقل العمر
النفطي 15 كم شرق البلاد، حقل التنك، حقل التيم 10 كم جنوب مدينة دير الزور، حقل
الورد قرب قرية الدوير، حقل الجفرة 25 كم شرق المدينة، معمل غاز كونيكو 20 كم شرق
المدينة، محطة نفط الخراطة 20 كم جنوب غرب دير الزور، محطة نفط ديرو 40 كم شمال
غرب المدينة، وأخيراً محطة t2الواقعة على خط النفط العراقي السوري).
مرت هذه الحقول النفطية بعدة مراحل من السيطرة.فقبل
اندلاع الثورة السورية كانت بشكل كامل تحت يد النظام وتعمل ضمنها مجموعة من الشركات
الوطنية والأجنبية. ومع بدايةالثورة وعسكرتها بدأت تخرج هذه الحقول من يد
النظام تباعاً إلى يد المعارضة السورية وما يتبع لها من
فصائل مسلحة في دير الزور، ليسيطروا عليها قرابة العامين. أما اليوم، فإن جميع هذه
الحقول والمحطات، وما يتبع لها من آبار نفطية متفاوتة في إنتاجها تبعاً لحجم الحقل
أو المحطة التي تغذيها، تقع تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام،
” داعش”!
“عامان كاملان والذهب الأسود بيد المعارضة
السورية. لكنها لم تحسن استثماره وتوجيهه بما يخدم مصلحة الثورة”، هذا ما
قاله الضابط خالد ياسين، العامل ضمن كتائب الحر في الريف الشرقي بدير الزور.ويضيف
خالد لـ
“صدى الشام” مؤكداً “لو كانت عائدات النفط توجه لشراء السلاح بشكل حقيقي،
لكفينا منطقة دير الزور ومحافظات أخرى. ولكن على العكس فقد تسبب النفط بانشقاقات
بين الكتائب، وصلت لدرجة الاشتباكات، وخلافات بين العشائر. إضافة لفتح جبهات جديدة
على الجيش الحر. تلك الخلافات هي التي أدت إلى وصول كل تلك الحقول إلى يد داعش”.
لذلك، انطلقت “صدى الشام” بتحقيق حول
النفط في دير الزور، لرصد الأسباب التي منعت المعارضة من استثماره، وتفسير قدرة
النظام على الصمود دون هذا المخزون الذي اعتمد عليه لمدة 40 عاماً، وكيفية دخول
تنظيم الدولة الإسلامية وانتشاره وفقاً لجغرافية الآبار النفطية.
بداية النهاية..
“مع بداية الثورة في مدينة دير الزور
وامتدادها للريف سيطرت حالة من الفوضى. فكان اللصوصيسطون بين الحين والآخر
على الشركات المتواجدة قرب حقول النفط، ويقومون بسرقة الأجهزة والمعدات الثقيلة
الخاصة بالحفر والتنقيب، والتي تقدر قيمتها بملايين الدولارات، ومن الممكن أن تباع
كخردة ببضع آلاف من الليرات السورية”، هذا ما قاله المهندس في شركة الفرات
للنفط، عبدا لله الغريب.
ويضيف لـ “صدى الشام”، “استمرت هذه
الحالة طويلاً إلى أن استطاع البعض السيطرة على الآبار بشكل كامل وأخذوا يستخدمون
“الحرّاقات”، وهي عبارة عن خزانات بسيطة يتم من خلالها تكرير النفط
المستخرج بطرق بدائية عبر الحرق العشوائي، إذ يتم وضع النفط فيها وحرقه بشكل
مباشر، ومن ثم توزيعه، لينقل عبر “صهاريج” إلى داخل المدينة والمحافظات
القريبة منها، أو تهريبه إلى الخارج عبر الأراضي التركية، فيتم بيعه بأسعار تتراوح
بين 25-30 دولاراً للبرميل الواحد”.
ويردف المهندس عبد الله: “مع انتشار الفوضى، بدأت
الشركات الأجنبية بسحب طواقمها من هذه الحقول، وبعضها الآخر انسحب بفعل العقوبات
الأوربية. أما الشركات الوطنية فانسحبوا نتيجة الخوف على أرواحهم”.
وكانت العقوبات الأوربية قد فُرضت على قطاع النفط
السوري عام 2011 رداً على ممارسات قوات الأسد خلال الثورة السورية. وما إن استشعرت
أوروبا أن النفط قد يصبح تحت يد المعارضة، حتى أعلن وزراء خارجية الاتحاد
الأوروبي، خلال اجتماعهم في لوكسمبورغ بتاريخ 23 نيسان 2014، تخفيف العقوبات
المفروضة على سوريا، كي تستطيع الحكومات الأوروبية استثمار النفط السوري الخام في
المناطق التي تخضع لسيطرة المعارضة. وأُتبع ذلك بقرار يسمح للمستوردين الأوروبيين
بشراء النفط من سوريا. الإجراء الذي جاء، بحسب تصريح وزراء الدول الأوروبية، “كمساعدة
للمدنيين السوريين، واستجابة بشكل خاص للمشاكل الإنسانية، واستعادة للنشاط
الاقتصادي”.
كتائب النفط والعشائرية
“إن دخول العشائرية على الخط زاد الطين بلة، إذ
تقع أغلب آبار النفط في مناطق العشائر. فكان أن انتقل الحال من الفوضى إلى الفوضى
المنظمة، بحيث تأخذ كل عشيرة، أو فخذ من العشيرة، حصة من استخراج النفط. فأصبحت
إيرادات الآبار تقسّم بين العشائر المتواجدة في منطقة البئر النفطي”.
هذا ما قاله النقيب ياسر حمدان، العامل ضمن صفوف
الجيش الحر في دير الزور، في حديثه لـ “صدى الشام”. وأضاف: “لم تتوقف
المشكلة عند هذا الحد، فبعض المسيطرين على هذه الآبار بات يشتري السلاح من إيرادات
النفط، ليس للقتال وإنما لحماية الكنز الذي وقع عليه. فكان أن تشكلت تلك الكتائب
المعروفة بـ “كتائب النفط”، والتي يقوم أفرادها بحراسة الآبار ليل نهار،
مدججين بمختلف أنواع الأسلحة. لا تقاتل هذه الكتائب أحداً من الأطراف، وإنما تتفرّغ
لتهريب النفط. ولم يكن الجيش الحر بقادر على قتال أحد من هؤلاء، إذ سيفتح على نفسه
جبهة العشائر، تلك التي لن تتعامل معنا كفصائل مسلحة، وإنما كأفراد نتبع لعشائر
وقرى معينة ضمن دير الزور، وبالتالي ستنشب حرب عشائرية كنا بغنىً عنها”.
قائد المنطقة الشرقية في سوريا، المقدم محمد
العبود، لا يستغرب وقوف النظام متفرجاً دون أن يحرك ساكناً في زحمة السيطرة على
النفط في دير الزور. فيشرح لـ “صدى الشام”، مفسراً موقف النظام من نفط
المنطقة الشرقية، فيقول: “لا زال النظام يستفيد من تلك الآبار، ولا أستبعد
وجود صفقات سرية مع القائمين عليها. والسبب الثاني أن تلك العصابات لا زالت تحلم بأنها
ستحكم تلك المنطقة يوماً ما. إضافة للسبب الذي لا يخفى على أحد وهو رغبة النظام في
أن تعم الفوضى في المنطقة من خلال الاقتتال على تلك الثروة“.
محاولات فاشلة..
خرج النظام من ريف دير الزور ومناطق النفط في
نهاية العام 2012، وسيطرت فصائل المعارضة المسلحة على الريف بشكل كامل، وبدأت
تتشكل المجالس العسكرية للجيش الحر في تلك المرحلة وبقوة. فتساءل الكثيرونعن
الدور الذي لعبه الجيش الحر باتجاه حماية النفط أو استثماره؟ وفي البحث عنالإجابة،
يوضح قائد المنطقة الشرقية، المقدم محمد العبود، آسفاً: “لم تكن تلك الحقول
والآبار تحت سيطرة الجيش الحر، بل كانت تحت سطوة العشائر وجبهة النصرة، فيما عدا
بئرين أو ثلاث. والسبب في ذلك أن الجيش الحر لم يكن سيفاً مسلطاً على رقاب الناس،
كما هو حال باقي التنظيمات، إنما كان همه الوحيد هو مقاتلة النظام. وعندما أرادت
المجالس العسكرية الاستفادة من تلك الحقول كانت هناك عوائق كبيرة أهمها الاصطدام
مع الأهالي والعشائر”.
بالمقابل، حاولت قيادة الأركان في عهد اللواء سليم
إدريس تشكيل جيش وطني هدفه الأول السيطرة على آبار النفط واستثمارها بما يخدم
الثورة، ولكن المشروع لم يرَ النور. وعن أسباب فشله، يشرح قائد المنطقة الشرقية،
المقدم محمد العبود، “هذا الهدف كان مطروحاً منذ تشكيل هيئة الأركان في
أنطاليا، ولا زال مطروحا حتى الآن، إذلن تقوم قائمة للجيش الحر دون تحقيق
ذلك. وهذا الجيش كان من أهدافه السيطرة على الموارد الاقتصادية، بما في ذلك النفط
والمعابر الحدودية. لكن، وللأسف، هذا الطرح لم ولن يلاقي استحسان وموافقة الدول
الداعمة، لأنهم يريدون للمنطقة أن تدخل في هذه الفوضى لتحقيق مصالحهم الإقليمية.
كما لاقى هذا المشروع رفضاً من قبل التشكيلات المعروفة وذات الأسماء الرنانة، لأنه
يهدد وجودها كما هي تعتقد”.
من جهة أخرى، هناك من أدرك أهمية هذا المشروع
وأيقن أهمية دير الزور نفطياً، لذلك توجه تنظيم الدولة للسيطرة على المنطقة بشكل
كامل. حتى أن أشرس معاركه كانت في ريف دير الزور الشرقي، والذي يعرف بغناه بالآبار
النفطية، كما يوجد فيه حقل غاز كونيكو (أكبر حقل لإنتاج الغاز في الشرق الأوسط).
وبذلك حقق التنظيم بالسيطرة على دير الزور اكتفاءً ذاتياً مكّنه من البقاء وبسط
سيطرته على المنطقة والتمدد باتجاه مناطق أخرى.
أوروبا والعقوبات
أشيع الكثير عن قدرة النظام على الاحتيال على
العقوبات الأوروبية باستيراد النفط عبر الداعمين، وأبرزهم إيران. وقد استطاعت “صدى
الشام” الوصول إلى (أ.س)، وهو مهندس في مرفأ طرطوس البحري، وقد رفض التصريح
عن اسمه لأسباب تتعلق بسلامته وأمنه، حيث أكّد أنه “مع بداية تضيق الخناق على
النظام اقتصادياً، بدأت ترسو سفن وناقلات نفط إيرانية على سواحل طرطوس. كانت تفرغ
شحنات كبيرة من النفط الخام والمحروقات، على الرغم من العقوبات الاقتصادية
المفروضة”.
ويضيف المهندس: “تخرج هذه الناقلات من مصر
محملة بالنفط الخام، وهناك يتم تبديل علم وجنسية السفن لتكمل طريقها إلى سوريا.
وتتم هذه العملية بالتعاقد مع عدة شركات عراقية ولبنانية ومصرية، حيث ترسو هذه الناقلات
على ميناء طرطوس وقد رُفعت عليها أعلام دول أخرى، مع أن هذه الحاملات هي
إيرانية”.
وإذا تتبعنا دقة ما صرح به هذا المهندس، سنجد أنه
يتقاطع مع المعلوماتالتي أوردتها وكالة رويترز عبر تحقيق صحفي نشرته مؤخراً
يفيد بأن “حكومة بشار الأسد تلقت واردات كبيرة من النفط العراقي الخام عبر
ميناء مصري خلال الأشهر التسعة الماضية. حيث تُظهر وثائق الشحن والمدفوعات جزءاً
من التجارة المحرمة التي تتم بعيداً عن المراقبة الغربية التي تفرض عقوبات على
النظام السوري”.
وتشير الوثائق إلى “وجود أربع شحنات على
الأقل نقلتها أربع ناقلات هي (كاميليا،ديزني،لانتانا،كلوف)، وكل
منها تشغلّها شركة الناقلات الإيرانية الوطنية، التي تقوم بنقل النفط العراقي من
ميناء “سيدي كرير” المصري إلى سوريا”.
ووفقا للوثائق، فإن ثمة فواتير بين شركة تجارية
اسمها (ما وراء البحار لتجارة البترول) “OPT“، ومقرها بيروت، وشركة (Tri-Ocean Energy)، ومقرها القاهرة، بما يثبت مسؤوليتهما عن نقل
النفط العراقي إلى سوريا. ورغم إنكار الشركتين لأي تورط لهما في إمداد النظام
السوري بالنفط، إلا أنهما لم تستطيعا تبرير وتفسير الفواتير وتحركات السفن، التي
حصلت عليها رويترز عبرالتحقيق الذي أجراه كل من الصحفيينديفيد
شيبارد وبيتر غراف للوكالة.
النظام السوري، فقد فرضت واشنطن بتاريخ 9-7-2014 عقوبات على شركة إماراتية بتهمة
توريدها منتجات نفطية إلى الحكومة السورية.
“بانغيتس”، ومقرها الشارقة في دولة الإمارات، وردت منتجات نفطية إلى
سوريا، منها وقود طيران، منذ العام 2012 حتى نيسان الماضي. ومن المرجح أن تلك
المنتجات استخدمت في أغراض عسكرية“.
وسيط بين داعش والنظام
يبدو أن احتيال النظام على العقوبات الأوروبية ليس
كافياً لتوفير مصادر الطاقة لنظام الأسد. وبالبحث وراء المصادر الأخرى، يتضح أن
النظام يبرم صفقات سرية مع بعض عناصر تنظيم الدولة “داعش” بخصوص النفط.
فهناك، حتى الآن، أنابيب نفط تأتي من المنطقة الشرقية وتصب في الساحل السوري لتغذي
مصفاة بانياس ومحطات في اللاذقية! ولم يتعرّض أحد من عناصر التنظيم المقاتلة في
تلك المنطقة لهذا الخط أبداً. إذ يبدأ هذا الخط من محطة (t2)، الوقعة
على خط النفط العراقي السوري، ويمتد لينتهي بمحافظة طرطوس حيث يغذي مصفاة بانياس.
وعن سر هذا الخط يؤكد العقيد (ق.ن): “لقد
أبرم النظام صفقة للمحافظة على هذا الخطوسلامته. فهو يقوم بدفع ما يقارب 150
مليون ل.س شهرياً لتنظيم الدولة “داعش” مقابل عدم تفجير هذا الخط، الذي
قامالنظام بحمايته، إلى أن استطاع فصيل “جيش أهل السنة والجماعة” مهاجمة
المحطة الرئيسة التي يمر بها هذا الخط وتحريرها بشكل كامل. ثم استطاع “داعش” السيطرة عليها أثناء
هجومه الخاطف على مدينة البوكمال. وإلى الآن ما زال الخط يغذي مصفاة بانياس”.
اليوم فيقع هذا الخط تحت سيطرة داعش. هذا التنظيم الذي يتنشر بحسب جغرافيا النفط
في سوريا، فكان أن سيطر على كافة الحقول في محافظة الرقة، وبسط سيطرته بشكل كامل
على النفط في ريف دير الزور، فلم يبقِ اليوم من نفط المنطقة الشرقية في سوريا سوى
بعض الحقول التي تقع تحت سيطرة المسلحين الأكراد، تلك التي ترنو إليها داعش وتخوض
معارك شرسة في ريف محافظة الحسكة للسيطرة عليها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث