الرئيسية / رأي / كفكفوا فرحكم قليلاً

كفكفوا فرحكم قليلاً

عبد القادر عبد اللي _ صدى الشام/

 شارك السوريون المقيمون في تركيا بقوة في الاحتفالات والاعتصامات الرافضة للانقلاب العسكري، وظهر هذا بجلاء من خلال العلم السوري المرفوع في تلك الاحتفالات والاعتصامات التي حدثت في المدن التي يتواجد فيها السوريون بكثافة مثل إسطنبول وعينتاب، وهذا من حقهم ومن حق الحكومة التركية عليهم لأنها احتضنتم أفضل مما احتضنهم بعض الأشقاء العرب.

ويبدو من كتاباتهم وصورهم أنهم ضحكوا، وفرحوا، ولعل مصدر فرحهم هو نكاية بالشبيحة الذين أطلقوا النار احتفاء بالانقلاب العسكري ليس أكثر.

 من جهة أخرى كتب المثقفون المؤيدون للثورة مقالات تمتدح الديمقراطية، والشعب التركي الذي تبنى بغالبيته المطلقة الخيار الديمقراطي في مواجهة الحكم العسكري. لقد كتبت تلك المقالات بحرقة على ديمقراطية تعتبرها غالبية السوريين المؤيدين والمعارضين كفراً وبدعة غربية.

في الوقت نفسه كانت إدلب تتعرض لقصف جوي غير مسبوق، فدمرت الطائرات كثيراً جداً من الأحياء إلى درجة أننا شاهدنا بعض المؤيدين للنظام من أبناء إدلب يبدون أسفهم على ما حل بمدينتهم.

هناك مفارقة مؤلمة تتجلى بتقديم البلديات التركية التابعة لحزب العدالة والتنمية الماء والمأكولات للمعتصمين جميعاً، وجعلت وسائل النقل الداخلي مجانية، وأهدت إحدى شركات الخليوي مئة وخمسين دقيقة، وبعدها مئة وخمسين دقيقة أخرى للمشتركين، بينما يتشرد من بقي في مدينة إدلب نتيجة القصف الهمجي بعد أن سُدت أمامه السُبل في البراري والمزارع دون أدنى مقومات الحياة.

 وفي مكان آخر مازال القتل الجماعي بهدف التغيير الديمغرافي مستمراً في الشمال تحت يافطة محاربة داعش… وليس هناك أي أفق.

 طريق الكاستيلو أي طريق الإمداد لحلب المحررة، مازال مقطوعاً، ومعركة الساحل انقشع غبارها أو يكاد… وأخبار التعزيزات القادمة من إيران تسد الأفق…

 تركيا هي الدولة الأقرب لسوريا، وبغض النظر عن الاتهامات الموجهة إليها، وما اعتبر أخطاء في سياستها التي نهجتها إزاء سورية فإن غيابها عن الملف السوري لن يكون لصالح المناصرين لتغيير جذري في بنية النظام السوري للشروع في بناء سورية جديدة لكل أبنائها.

وما إن بُث قليل من التفاؤل بعودة العلاقات بين تركيا وروسيا حتى جاء الانقلاب العسكري الحالي. نعم لقد فشل الانقلاب العسكري، ولكن ارتداداته ليست قليلة، ولن تنتهي مفاعيله قريباً.

تتهم الحكومة التركية ما تسميه “الكيان الموازي” بمحاولة الانقلاب، وتسميةُ الكيان الموازي تعني الدولة الموازية للدولة، بمعنى آخر، هو كيان له قوة في الجيش والشرطة والقضاء والإعلام والصحة والمالية والتعليم ومناحي الحياة كلها… هل هناك عاقل يعتقد بأن تصفية هذا الكيان ممكنة خلال ثلاثة أشهر هي تاريخ إعلان حالة الطوارئ؟

المشهد الذي ظهر بعيد محاولة الانقلاب الفاشلة يوحي بأن الديمقراطية قد خرجت قوية في تركيا، ولكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الدولة ضعفت جداً، فهناك خلايا يعمل على استئصالها، وإنكار أن قسماً كبيراً من هذه الخلايا هي عقائدية هو تجديف في الهواء.

ستنشغل الدولة التركية بكل مؤسساتها بهذه الخلايا، وهذه الترتيبات، والقرارات المتخذة تحتاج إلى قوة لتنفيذها، ومن الممكن أن تحدث ارتدادات لها، ولعل هذا ما يجعل رئيس الجمهورية التركية يطلب من الناس عدم مغادرة الساحات في كل فرصة.

بالتزامن مع هذه الإجراءات الجراحية في بنى المؤسسات التركية العسكرية والمدنية لن يكون لدى أصحاب القرار في هذا البلد فرصة لمتابعة ما يجري في سورية.

صحيح أن القضية السورية تشكل خطراً استراتيجياً، وحتى بنيوياً على تركيا، ولكنها في أحسن الأحوال ستكون جبهة من الجبهات الكثيرة المفتوحة على تركيا، وهذه الجبهات ليست داخلية فقط، بل خارجية أيضاً. فمن المسلم به أن أي انقلاب في العالم لا يمكن أن يحدث دون محركات خارجية، وقد رأينا تلك المحركات التي لم تهدأ. فهنالك حملة دعاية عالمية ضد الحكومة التركية وتركيا كدولة، لأن المعارضة التركية تقف مع الديمقراطية ضد الانقلاب العسكري، وهي بحاجة لصدها ومواجهتها.

تبدو الحملة الإعلامية في شقها العربي مضحكة وكوميدية يمكن التندر بها، فقد بلغ أحد “المحللين السياسيين” في إحدى الصحف التي كانت تعرف برصانتها، درجة اللجوء إلى الأبراج والأفلاك، ومن خلال برج فتح الله  غولان اكتشف بأنه رجل طيب محب للمساعدة وتقديم الخدمة للناس… ولكن شق هذه الحملة الأمريكي والغربي ليس على هذا النحو نهائياً.

هناك حالة من إعادة بناء الدولة من جديد، ومهما يقال إن الحكومة التركية ستعيد بناء الدولة وفق هواها، فهناك معارضة قوية مثلما توحدت إلى جانب الحكومة في وجه الانقلاب يمكن أن تتوحد ضدها في إعادة البناء فيما لو استغلته لصالحها.

يبقى الشق السوري هو الجرح المهمل أو المهمش في معمعة هذه التغييرات التركية، فتركيا بقيت الدولة الوحيدة تقريباً صاحبة الصوت المؤثر دولياً التي تقف مع الثورة السورية. صحيح أن تركيا يمكن أن تتأثر سلباً بسبب إهمالها الشق السوري، ولكن الضرر الذي سيحدث على الصعيد السوري سيكون أكبر بكثير.

 

بمعنى آخر، لابد أن نقول راحت السكرة، وجاءت الفكرة… وكفكفوا فرحكم أيها السوريون…

 

 

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *