عمّار الأحمد
ربما لأول مرة تتدخل إيران كمشرفة على العمليات
العسكرية في درعا. هي داعمة للنظام قبل ذلك بزمن طويل، وعلى كافة المستويات، بما
فيه التدريب والأمن والجيش والتمويل. أما أن تشرف، وبقوات إيرانية ومدعومة بقوات
لحزب الله ومليشيات مستقدمه من الخارج، فهذا جديد تماماً. هذا يعبر عن أن النظام
أصبح مفلساً بالكامل، ولم تعد قواته مصدر ثقة، وأنها بحالة ضعف شديدة. وبالتالي
أصبح التدخل الإيراني، بوجه منه، احتلالاً كاملاً، والنظام أداة سياسية لتمكين،
وبذريعة “سورية”، الاحتلال لسورية.
ما يسمح للنظام بالاستمرار ليس قوته، أبداً، بل
غياب أي استراتيجية للمعارضة وتحكيم القوى الجهادية بالمناطق المحررة. ليتبين أن
النظام وتلك القوى كان لهما هدف واحد ومنذ البداية وهو تصفية الثورة، وإدخال كل
أشكال الاحتلال إلى سورية؛ مرة لدعمه، وكانت إيران وروسيا، ومرة باسم الحرب على
الإرهاب، ومرة التدخل الإقليمي والعالمي الواسع.
النظام منهار اقتصادياً وسياسياً ولا يمكن أن يمثل
السوريين مجدداً، وإعلامه وبقية مؤسسات الدولة لم تعد مصدر ثقة أبداً. وقيمة
الليرة السورية تتراجع، وكل شيء يرتفع سعره بأشكال جنونية ويومياً. ضمن هذا
المنظور فإن التدخل الإيراني يصبح ضرورة، وضمن هذا الإطار تصبح إيران المشرف على
العمليات العسكرية البرية، وربما على مجمل الخيار العسكري والأمني الآن. طبعاً
إيران لا تتدخل بلا أي ثمن! إن ثمن كل ذلك، هو فرض هيمنة كاملة على حاضر ومستقبل
سورية، ويمكن أن يكون الثمن ضمان تحقيق اتفاق حول النووي الإيراني، وربما مساومات
ستحصل في المستقبل بخصوص الدور الإقليمي لإيران. إنها تخطط للمستقبل بكل بساطة،
وتحدد للآخرين ثمن أية مساومات معها في المستقبل.
ليست إيران لوحدها من يخطط لمستقبل سورية، بل كافة
المتدخلين في سورية. وبالتالي أصبحت سورية منطقة لإعادة اقتسام النفوذ على كامل
المنطقة. هذا ما قاد إليه النظام سورية. وفي هذا ساعدته المعارضة أيما مساعدة.
النظام والمعارضة رافضان للثورة الشعبية ولحق الناس بالحرية والخبز والسيادة
الوطنية.
الوجه الآخر لهذا التدخل هو الصراع الشيعي السني،
الذي يفرض نفسه في سورية وفي كل المنطقة. هذا الصراع تبتغيه إسرائيل وأمريكا، وبه
تحديداً يتم استنزاف تركيا والسعودية وكافة دول المنطقة. منذ بعض الوقت أصبحت
تتوضح معالم هذا الشأن، وما إطلاق يد إيران في العراق وسورية ولبنان واليمن مؤخراً
إلا بهدف جر السعودية وتركيا إلى الدخول الكثيف في الحرب في كامل المنطقة. وهذا
سيحقق استنزاف كافة ثروات البلاد وقتل شبابها وإغراق المنطقة بأكملها بمختلف أشكال
الحروب.
حضور إيران في سورية والعراق، يستقي بعض مبررات
وجوده من هذه الحيثية. وتصاعد الخطاب الطائفي مؤخراً متأت منها، والتدخل الإيراني
الواسع سيضاعف منها، وربما سيفجر هذا لبنان لاحقاً، والتي نأت بنفسها عن الحرب،
باستثناء حزب الله، الذي أُمر بالتدخل الواسع خوفاً من سقوط النظام وضياع المصالح الإيرانية.
ولو افترضنا أن إيران وقعت الاتفاق النووي وحصل
توافق أمريكي إيراني كامل، ورُفعت العقوبات عنها من جراء ذلك، فهل ستستطيع تجاوز
أزماتها! أغلب الظن، لا. إيران تقمع الشعب الإيراني بقوة السلاح
و”الوطنية” والدفاع ضد الإمبريالية، وبتحقق الاتفاق، ستكون أمريكا دولة
صديقة. وهذا ما سيفتح المجال واسعاً للشعب الإيراني لإسقاط نظامه؛ إيران كما بقية
الدول التي لم تطالها الثورات، تخشى ذلك. وهناك رأي يقول إن ذلك الخوف هو ما دفع
تلك الدول للتدخل الواسع في سورية لمنع عدوى الثورة من الانتقال.
العدوى
هنا كارثية بالنسبة للوضع الاقتصادي والاجتماعي في إيران خاصة، والذي يشكل سبباً
للانتفاض والثورة. حدّة القمع هي وحدها ما يمنع الثورة وليس وجه خامنئي الميت ولا
ولاية الفقيه التي يؤمن بها.
وهذا بعكس رأي أغلبية الشعب الإيراني الذين يريدون
نظاماً جديداً، ويتذمرون من الدعم المهول لحزب الله وللنظام السوري، ويرفضون الوقوف
ضد ثورات الشعوب العربية ويسعون لتعزيز العلاقات معها.
ستندحر قوات إيران في درعا، وستندحر في مناطق
سورية كثيرة. والحرب كر وفر، وصار لها أربع سنوات ولم تنه الثورة، وستستمر طالما
النظام باقٍ. وبرحيله ستتقلص الهيمنة الإيرانية في سورية وربما في كافة دول
المنطقة. سورية بلد محوري في عملية اقتسام النفوذ الدولي والإقليمي، وبحدوث
الانتقال السياسي فيها سيعاد تشكيل المنطقة بأكملها. ولكن بما يحقق مصالح كافة
شعوبها، وربما بما لا يخدم تأبيد أشكال الحكم في إيران أو السعودية أو تركيا وربما
إسرائيل أيضاَ.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث