ألكسندر أيوب
بعد كل مقابلة يجريها بشار الأسد مع إحدى وسائل الإعلام الغربية، نجد وزارات الخارجية في
تلك الدول، تسارع للرد على ما جاء في المقابلة من تصريحات. وكأن بشار الأسد يوجه
لها رسائل محرجة في واقعيتها عبر تلك المقابلات. بدى هذا واضحاً في رد الخارجية
الأمريكية على مقابلة الأسد مع مجلة “فورن أفيرز” الشهر الماضي، واليوم
ترد وزارة الخارجية البريطانية بشراسة على مقابلة بشار مع الـ”بي بي سي”
على لسان وزير خارجيتها الذي أدان تصريحات الأسد وخصوصاً حول عدم استخدامه
للبراميل المتفجرة، داعياً لانتقال سياسي للسلطة في سوريا.
ما لبثت الخارجية البريطانية أن التقطت مصطلح الأوهام لتصوغ منه موضوعاً أسمته
ثمانية أوهام حول الأزمة السورية، أشارت فيها إلى ضلوع الأسد في قتل أكثر من
200,000 سوري منذ عام 2011، وسجله الحافل بالإجرام والتجويع والتعذيب واستخدام الأسلحة
الكيماوية والبراميل المتفجرة ضد مدنيين عزّل، هم سوريون عاديون وليسوا بإرهابيين،
كما يزعم الأسد الذي ساهم في تهيئة المناخات والظروف لتنامي التطرف، وبقي مكتوف الأيدي
أمام زحف تنظيم “داعش” في مناطق عدة كعين العرب. ولنستعرض ما ذكرته وزارة الخارجية
البريطانية من أوهام وبذات الأسلوب الذي طرحت به تلك الأوهام، لكن مع إضافة
تساؤلات ربما تتبادر لذهن أي سوري، عندما يقرأ تلك الأوهام ورد الخارجية
البريطانية عليها بما وصفته بالحقيقة .
وهم: “دعم الأسد قد يكون الخيار الأقل سوءاً – وهو أهون
الشرّين بالتأكيد”.
حقيقة: “استخدام الأسد الأسلحة الكيماوية والبراميل
المتفجرة ضد المدنيين وسجله الحافل بالتعذيب والاعتقال والإعدام واقع يشهد عدم صحة
ذلك”.
تساؤل: ما دامت بريطانيا العظمى والغرب بشكل عام يعرف
جيداً جرائم الأسد وتاريخه الأسود، ويدرك أن بقاءه في السلطة مستحيل. فلماذا
التلكؤ والمماطلة بالإطاحة به كل تلك السنوات عبر البحث عن حل سياسي للأزمة
السورية؟ وهل تصلح السياسة كحل مع مجرم من هذا النوع؟
أما الوهم الثاني فلخصت الخارجية البريطانية”
بعبارة : “انتصار الأسد مسألة وقت فقط”.
وأوردت في الرد على هذا الوهم، حقيقة: “الأسد
لن يستطيع الانتصار عسكرياً. دمر مدنا كاملة وشرد الملايين للتمسك بزمام السلطة، لكنه
اليوم يحكم على أنقاض وجيش منهك. لا يمكن للأسد الانتصار لأنه ما دام في السلطة لن
يشعر معظم السوريين بالأمان”.
تساؤل: وكيف لا ينتصر عسكرياً إذا كان يتلقى دعماً على
كل الأصعدة من روسيا وإيران، والمعارضة السورية تقاتل فقط بما تغنمه من الجيش
السوري النظامي؟ أما عن جيشه المنهك فقد استعاض عنه بمليشيات شيعية من كل دول
العالم إضافة للحرس الثوري الإيراني، كما منح للشركات الروسية والصينية والإيرانية
عقود إعادة الإعمار لبناء الأنقاض. أما عن شعور السوريين بالأمان، فهم أمضوا
أربعين عاماً من الخوف تحت حكم آل الأسد فما الجديد؟
“وهم: أليست كل المعارضة السورية إرهابية؟ من هي المعارضة
المعتدلة؟
حقيقة: غالبية معارضي الأسد وداعش أشخاص عاديون. المعارضة المعتدلة أدانت مراراً
التطرف الإسلامي”.
تساؤل: لماذا لم تدعم بريطانيا والغرب المعارضة السورية
المسلحة منذ بداية التسلح في الثورة السورية على غرار ما حدث في ليبيا؟ لماذا تُرك
المقاتلون يقعون فريسة للتنظيمات المتطرفة نتيجة لقلة دعم الجيش الحر؟ من هي
المعارضة المعتدلة بنظر الغرب إذا كانت ضربات التحالف قد طالت حتى الفصائل السورية
كحركة أحرار الشام؟
“وهم: من هو الائتلاف الوطني؟ وهل سيتولى الحكم إذا
سقط الأسد؟
حقيقة: الائتلاف الوطني يحتضن فئات سياسية تمثل كل الطوائف
السورية، سُجن العديد من أعضائها وتم تعذيبهم من قبل النظام، وهي تتضامن معاً من أجل
بناء مستقبل أفضل لسوريا، لا دور فيه للأسد. رئيس الائتلاف لا يزعم أنه يريد أن يكون
رئيس سوريا مستقبلاً، والائتلاف أوضح أنه يتوخى إنشاء حكومة انتقالية مؤقتة تشمل كلا
الجانبين. وما أن تصبح سوريا جاهزة للانتخابات سيقوم الائتلاف بحل نفسه. قرار تشكيل
الحكومة المستقبلية متروك للشعب السوري”.
تساؤل: إذا كانت بريطانية ترى الائتلاف بتلك الصورة
الوردية فلماذا لا تدعمه بالشكل الكافي؟ وإذا كان الائتلاف بنظرهم يمثل جميع
المعارضة السورية، فلماذا لا يتركون مناسبة إلا ويتحدثون فيها عن ضرورة توحد
المعارضة كشرط للدعم؟
“وهم: صعود “داعش” سببه الغرب وليس الأسد.
حقيقة: عملياً لم يفعل الأسد شيئا لوقف تقدم “داعش”،
واختار بدلاً من ذلك مهاجمة الشعب السوري والمعارضة التي تحارب من أجل حقوقها الأساسية.
“داعش” تمكن من ترسيخ وجوده في سوريا بسبب تركيز الأسد فقط على التمسك بسلطته.
في الواقع، هناك سبب وجيه للاعتقاد بأنه في عام 2011 عندما بدأ الشعب السوري بالانتفاض
ضد ديكتاتوريته، قام الأسد بإطلاق سراح العديد من المتطرفين الخطرين من السجن. والهدف
تشويه سمعة السوريين العاديين الذين يحاولون الطعن بحكمه”.
تساؤل: مادامت لعبة الأسد مكشوفة منذ 2011 لماذا تُرك
لينفذ مخططه؟ لماذا تُركت داعش تتمدد في سوريا؟ ولماذا لم تُدعم فصائل الجيش الحر
في حربها ضد التنظيم على غرار دعم الأكراد؟
“وهم: بريطانيا والمجتمع الدولي لم يفعلا شيئا للسوريين.
حقيقة: بريطانيا لم تتدخل عسكريا لكنها قدمت أكثر من 800
مليون جنيه كمساعدات إنسانية للسوريين للحصول على الغذاء والماء والمأوى. كما أنها
أنفقت أكثر من 50 مليون جنيه استرليني لدعم المعارضة المعتدلة السورية، بما فيها الائتلاف
الوطني، لمساعدة السوريين في بناء مستقبل أكثر أمناً لسوريا”.
تساؤل: ألا يعتبر دعم اللاجئين علاجاً للنتائج وليس
للأسباب؟ وهل تصنف المساعدات غير القاتلة للجيش الحر مساعدات عسكرية؟ وهل يقارن ما
قدم من دعم للمعارضة السورية من أصدقاء الشعب السوري بما تقدمه إيران وحدها من دعم
للنظام؟
“وهم: لا فائدة من القيام بأي شيء في سوريا، علينا التراجع
والتغاضي عن سفك الدماء.
حقيقة: صعود “داعش” في سوريا والعراق يؤكد أنه
ما لم يتم بذل المزيد من الجهد من أجل حل الأزمة، فإن الوضع سيزداد سوءاً”.
تساؤل: ما الذي فعلته الدول الغربية وعلى رأسها بريطانيا
أصلاً لحل الأزمة السورية كي تتراجع؟ ألا تصب ضربات التحالف الدولي ضد داعش حتى
الآن في صالح النظام؟
“وهم: المملكة المتحدة تريد فقط التخلص من نظام الأسد
بأي ثمن. من المؤكد أن هذا سيؤدي إلى الفوضى، تماما مثل ما فعلت في العراق.
حقيقة: نحن نريد مستقبلا يرضي الشعب السوري. الخطوة الأولى
تقوم بالاتفاق على حكومة انتقالية تتألف من ممثلين عن النظام والمعارضة”.
تساؤل: هل صحيح أن بريطانيا والغرب تريد الإطاحة بالأسد؟
وإن كانت الإطاحة به ستؤدي للفوضى فهل بقاؤه يمنع ذلك؟ وهل الساسة البريطانيون من
الغباء بمكان أن يعتقدوا بإمكانية الحل السياسي للأزمة السورية، وتشكل حكومة
إنتقالية تضم النظام والمعارضة وليس للأسد دور فيها؟
إن الإجابة على تلك التساؤلات تشير إلى أن الأسد إنما
يتحدث بواقعية، مستمدة من الدعم الفعلي الذي يتلقاه من حلفائه، وما تهكمه وكذبه
إلا استخفافاً بالطرف الآخر الذي يعلم جيداً إمكانياته والنوايا الحقيقية لداعميه.
أما الواهم والكذاب هو من لا يزال يمني النفس بإمكانية الحل السياسي للأزمة
السورية ويسعى له.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث