عبدالقادر عبد اللي
منذ انقلاب عبد الفتاح السيسي في 3 حزيران عام 2013 إلى تاريخ وفاة العاهل السعودي 23 كانون الثاني 2015، وكتاب الزوايا الأتراك المعارضون لحكومتهم، وقياديو المعارضة التركية الرئيسة يلطمون ويشوحون وينوحون متحسرين كجوقة على علاقات تركيا بمصر ودول الخليج العربي وخاصة السعودية، ويلومون الحكومة التركية على رهاناتها الخاطئة، ومعارضتها غير الحكيمة لانقلاب السيسي التي تسببت بخسارة تركيا هذا الزخم الإقليمي الذي تقوده السعودية، والذي ينعكس خسارة اقتصادية كبرى على المواطن التركي.
وهكذا فقد احتلت قيادات حزب الشعب الجمهوري المعارض في تركيا مكاناً ثابتاً على شاشات التلفزة المدعومة سعودياً، وحظيت بدعم سعودي كبير، وغدت السعودية أكبر داعم للعلمانية بنظر الذين يعتبرون أنفسهم أحفاد أتاتورك، وهم قلعة العلمانية. لم يقتصر دعم هؤلاء على السعودية فقط، بل احتضنتهم إيران ودول الممانعة أيضاً التي تعتبر العلمانية كفراً، وقتل العلمانيين واجباً مقدساً، وإذا كانوا يخجلون من قول إنهم “مريدو الإمام الفقيه“، فهم لا يخجلون ولا يحتدون من وصفهم “أصدقاء الأسد“. ولكن وفاة العاهل السعودي قلبت كل شيء رأساً على عقب على صعيد المعارضة والموالاة في تركيا.
كانت الحكومة التركية تحافظ على صمتها إزاء الهجوم السعودي عليها. ومع الانقلاب –طبعاً الانقلاب السعودي في العلاقات– انقلبت الأمور. فعلى صعيد حزب الشعب الجمهوري فقد ساد صمت شبه مطبق، وأرسل رئيس هذا الحزب رسالة تعزية شمّتت فيها منتقدي هذا السياسي من الأطياف الأخرى غير القريبة من الحكومة. حتى أن كاتب جريدة حريت أحمد هاقان قال ساخراً على نص الرسالة: “لو كان قلتش دار أوغلو رئيساً للحكومة لما أعلن الحداد يوماً واحداً، بل أربعين يوماً“.
على جبهة الصحافة، انقلب كتّاب الأعمدة مائة وثمانين درجة. فمن كان يشوح وينوح على علاقات مفقودة مع السعودية ودول الخليج وخسارة كبرى بسبب سياسة الحكومة المعارضة لانقلاب السيسي (العلماني) المدعوم سعودياً وخليجياً، نسي الانقلاب، ونسي السيسي، ونسي أن هناك علاقات كانت متوترة جداً بين الحكومة السعودية وحزب العدالة والتنمية، واعتبر أرضوغان إسلامياً مناهضاً للعلمانية بدعم سعودي أو بتكليف سعودي… فالسعودية التي كانت أكبر داعم (للعلمانيين) أصبحت بقدرة قادر أكبر داعم للرجعيين الإسلاميين أعداء العلمانية… كل هذا حدث بوفاة الملك عبد الله، الوفاة التي سميت انقلاباً…
لا ندري لماذا اختار رئيس حزب الشعب الجمهوري أن يوجه رسالة التعزية بوفاة الملك عبد الله باللغة العربية. ومما جاء في البرقية: “باسم حزب الشعب الجمهوري نشارككم مصابكم الأليم من القلب“. لأول وهلة تبدو كلمات بروتوكولية عادية، ولكن المراقب المتابع مواقف هذا الحزب وسياسته، وبشكل خاص منذ الثالث من حزيران 2013، يمكن أن يرى أمراً مختلفاً. هل حقيقة وفاة الملك عبد الله مصاب أليم بالنسبة إلى حزب الشعب الجمهوري؟ لا تحتاج الإجابة على هذا السؤال كثيراً من البحث والتحليل. إنه بكل بساطة واختصار: “نعم” لعل أكبر مصيبة أصابت الحزب في السنتين الأخيرتين هي وفاة الملك عبد الله. خاصة وأن هناك انتخابات جديدة على الأبواب، وستكون في شهر حزيران القادم. وبهذا سيكون قد مر على انقلاب السيسي سنتين، فهل غياب السيسي عن جنازة الملك هو غياب نتيجة قرار سياسي سعودي؟ هل ثمة تغيير في السياسة السعودية نحو السيسي؟ لابد وأن المعارضة التركية تطرح هذه الأسئلة على نفسها، وإن حدث هذا فستكون لديها مشكلة كبرى. ستفقد أكبر مجموعة داعمة لها، وهي السعودية والدول التي تدور في فلكها. وفي الحقيقة إن هذه الخسارة لن تتوقف عند هذه النقطة فحسب، بل من الممكن أن تتحول هذه المجموعة إلى مجموعة داعمة للحكومة التركية.
التحالف التركي–السعودي ليس أمراً مستبعداً، فهو ضرورة ملحة واستراتيجية بالنسبة إلى البلدين. وهكذا يجب ألا نستغرب، بل يجب أن ننتظر تحالفاً كهذا. لاشك أن تحالفاً كهذا سينعكس على سياسة المنطقة وتحالفاتها، ويمكن أن يكسر كثيراً من الجمود. أهم النتائج ستتجلى في أن أمام “أصدقاء الأسد الأتراك” وهم في الحقيقة “مريدو الإمام الفقيه” أياماً صعبة. بعد الوضع الاقتصادي الصعب الذي تشهده إيران نتيجة تخفيض أسعار النفط العالمي، وزيادة كلفة احتلالها لسورية وإغلاق صنبور أموالها أو تخفيفه عن المعارضين الأتراك “الثوريين–العلمانيين” إلى درجة كبيرة. إن إغلاق صنبور الدعم السعودي عنهم سيحولهم إلى أيتام. نعم، إنهم أيتام الملك عبد الله، ومصابهم حقيقة أليم.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث