الرئيسية / رأي / انتصار اليسار اليوناني وتعثر ثورتنا

انتصار اليسار اليوناني وتعثر ثورتنا

عمّار الأحمد

انتصر اليسار اليوناني بعد أن أوصلت السياسات
الرأسمالية اليونان إلى أزمة اقتصادية واجتماعية، وبات أكثر من نصف الشعب غارقاً
في البطالة والفقر. وبعد أن توقف الإنتاج الزراعي والصناعي بسبب الديون، وبعد أن
أصبح إيفاؤها أولوية على حساب الشعب، وعلى الأخير أن يموت كي تستعاد تلك الأموال
لصالح ألمانيا وفرنسا، والمصارف الأوربية.

انتصر اليسار لأنه طرح قضايا الشعب. فقال: بإيقاف
التقشف ورفض إعادة الديون لأنها نهب وفساد، وأن اليونانيين لهم حقوق في العمل
والطبابة والتعليم، ويجب أن تكون الأجور موازية للأسعار، وأن قروضاً جديدة ستكون
لصالح البدء بنمو الاقتصاد اليوناني، وضرورة تعزيز الديمقراطية، وألا تكون لصالح
السياسات الليبرالية وإفقار الشعب. إذا، جاء الانتصار في الانتخابات الأخيرة بسبب
عمق الأزمة لأغلبية فئات الشعب، وبحكم وجود قوة يسارية “سيريزا”، أو
ائتلاف اليسار الراديكالي.

بدأت الثورة السورية بعد أن زادت نسب البطالة عن
الأربعين في المائة، ودمرت سياسات النظام الليبرالية الزراعة، وفتحت الأسواق لصالح
البضاعة التركية والصينية بصفة خاصة، وبذلك قضت على الصناعات الأولية في ريف دمشق
وفي عموم سورية، وقضت على المكتسبات العامة السابقة. وطبعاً، تراجعت قيمة الأجور
في سورية بشكل كبير، وتدهورت الطبابة، وكذلك التعليم، وأصبحت مشكلة الإيجارات متفاقمة،
ورهنت رواتب الموظفين لصالح قروض بفوائد عالية من أجل السكن، وهو ما تسبب بحالة
فقر شديد في عموم المدن السورية.

بدأت الثورة السورية بعد أن تصاعدت الثورات
العربية وللأسباب ذاتها. وما شكل مشكلة كبيرة أمام الثورة هو غياب اليسار الجذري، ورداءة
برامج المعارضة السورية، التي لا تختلف بشيء عن برنامج النظام فيما يخص الخصخصة
واقتصاد السوق والتخلي عن الطبابة والتعليم والسكن العام. والأنكى أنها قدمت نفسها
كممثلة للامبريالية بمعركتها ضد النظام، أي لم تكن ممثلة للثورة. ومن هنا تخليها
عن البعد الوطني فيها، ورفضها القاطع لإعلان موقف رافض لإسرائيل ولتدخل الدول الإقليمية
والامبريالية في الثورة. تلك الدول التي سعت، ومنذ الأيام الأولى للثورة، لاحتوائها.
وهذا ما تمّ لها عبر مجموعات المعارضة الرديئة والانتهازية، والتي وافقت على تشكيل
مجموعات جهادية ضمن الثورة، واعتبرتها مجموعات تساعد في إسقاط النظام.

حصيلة هذه السياسة القضاء على الثورة، وعلى
الكتائب الوطنية، وتمكين الجهاديات في أغلب المدن السورية. تسبب ذلك بحرب أمريكية
باسم الحرب على الإرهاب. بينما الحقيقة كانت بقصد إعادة تأهيل النظام، وربما في
مرحلة لاحقة الاعتماد عليه في مواجهة المجموعات الجهادية. الجهاديات المحبوبة من
المعارضة، وبدلاً من أن تحارب النظام، فإنها توجه أسلحتها ضد الشعب وضد الثورة،
وتفرض حكماً شرعياً جهادياً، وهو ما يساوي الانتقال من استبداد سياسي إلى استبداد
جهادي.

اليسار السوري الجذري، كائتلاف اليسار السوري
والتيار اليساري الثوري وتنسيقيات الشيوعيين السوريين، ومجموعات وأفراد آخرين،
ظلوا مشتتين مبعثرين، وليس بينهم أي ترابط. رغم أنهم جزء من الثورة، ومنذ أيامها
الأولى. وفي الوقت الذي استطاع اليسار اليوناني قيادة الشعب هناك لرفض سياسات
الخصخصة والإفقار وانتصر، فإن اليسار السوري الجذري بقيّ هامشياً ومفتتاً، وهذا
يعني أنه ليس قوة سياسية قادرة على تغيير قيادة الثورة وإسقاط المعارضة الانتهازية
السورية وليس فقط النظام.

الثورة السورية تعثرت كثيراً، وسيطرت عليها معارضة
انتهازية، والآن الجهاديات. ودُفعت نحو التسلح وتدخلت فيها الدول الإقليمية
والامبريالية، وأصبح إنهاء حالة الصراع الدائرة في سورية تتطلب توافقاً بين روسيا
وأمريكا، وفق بيان جنيف أو ما يماثله. لكن، ورغم كل ذلك، لا توجد معطيات تدفع
الأوضاع نحوه. إذاً التدخل الخارجي، وبسبب سيطرته على طرفي الصراع، هو المسؤول عن
استمرار الصراع؛ وبالتالي قضية سورية أصبحت قضية صراع إقليمي وإمبريالي.

إذا الثورة السورية لم تنتصر في مرحلتها الحالية،
وتخشى الدول المتحكمة بالصراع من نهايته. إذا ستعود بعدها الشرارات الثورية إلى
ساحة الفعل مجدداً. وربما هذا بالضبط ما يمنع التوافق على الحل والبدء فيه. اليسار
الجذري لا يزال خارج الفعل الثوري، بينما تعقّد الوضع السوري يتطلب موقفاً جديداً
له؛ موقفاً ائتلافياُ أقلها، بما يوضح هذا التعقد ويفتح أفقا ً جديداً للثورة.

انتصار اليسار اليوناني يحثُّ ليس اليسار فقط، بل
وكل القوى المدنية والوطنية والحداثية، على التفكير مجدداً بأفق الثورة، وبإعادة
النظر بكل السياسات الانتهازية والتبعية للمعارضة السورية للدولة الإقليمية
والامبريالية، وطرح رؤية وطنية للثورة والدفع بها مجدداً نحو أهدافها في مجتمع
أفضل، وتحقيق أهداف الثوار في الخبز والحرية. ونضيف السيادة الوطنية ورفض كل أشكال
التبعية وبناء علاقات ندية مع كافة دول العالم.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *