الرئيسية / رأي / من يضحك أخيراً، يضحك كثيراً

من يضحك أخيراً، يضحك كثيراً

عبد
القادر عبد اللي

قبل
أن تعلن وفاة الملك السعودي عبد الله، ويشيّع في الرياض ويُعزى به بأكثر من أسبوع
قرعت طبول الفرح بموته في دمشق الخاضعة للحكم الساساني. فقد صدر أمرُ الإمبراطور
الفقيه بالفرح بمناسبة تحقيق انتصار ساحقٍ، وأكّد أنها “خلصت” بموت
العاهل السعودي. صحيح أن أول لافتة حملت عبارة “خلصت” رفعها
مجموعة من الشبيحة في شارع الحمرا بدمشق بتاريخ 30/ 3/ 2011، وتكرر ترديد هذه
العبارة منذ ذلك اليوم إلى تاريخ وفاة الملك عبد الله عشرات المرات، ولكن يبدو أن
لهجتهم هذه المرة أقوى من المرات السابقة كلها، فهم مؤمنون بأنها
“خلصت”…

قبل
مدة ليست طويلة كتبتُ في هذه الزاوية مادة بعنوان “السوريون يدفعون ثمن
الخلاف السعودي التركي”. وكان هذا الخلاف حقيقة يؤثر على القضية السورية أكثر
من خلافات المعارضة فيما بينها بكثير، لأن دولتين فاعلتين مؤثرتين في المنطقة
مختلفتان في كل شيء، ومنها القضية السورية، ولو نسقتا جهودهما في هذه القضية
لأثمرت عن نتائج أفضل بكثير، ولخفت معاناة السوريين، وعلى العكس كانت الخلافات
بينهما في كثير من الأحيان تؤدي إلى نتائج سلبية، بل وكارثية على الشعب السوري.
على سبيل المثال، يوم اشترطت تركيا إقامة منطقة آمنة في الشمال السوري لتشارك في
التحالف الدولي ضد “داعش”، وجدت تأييداً فرنسياً وإنكليزياً وألمانيا،
بينما عارضت السعودية، ومعارضة السعودية تعني معارضة الأردن ومصر ودول مجلس
التعاون الخليجي، أي الدول الإسلامية المشاركة بالتحالف كلها. كانت الولايات
المتحدة بحاجة ماسة إلى مشاركة دول إسلامية “سنية” في التحالف
وإن كانت هذه المشاركة رمزية بالاسم فقط كما هي مشاركة مصر، ولو كان موقف السعودية
غير هذا يمكن أن يكون التحالف على غير ما هو عليه اليوم.

لم
يكن موت الملك عبد الله عرضياً كموت أي ملك سعودي، فقد تحدث بعض المراقبين عن
انقلاب داخل الأسرة المالكة، وإن لم يكن هناك انقلاب بالمعنى الحقيقي للكلمة،
فهناك مؤشرات هامة على تغيير في السياسة السعودية تجاه ما يجري في المنطقة، ويمكن
أن تصل هذه التغييرات إلى انقلاب فكري في النهج. في حالات من هذا النوع يمكن لأي
حركة مهما كانت صغيرة أن تعتبر رسالة، ولعل إحدى هذه الرسائل المهمة مشاركة رجب
طيب أرضوغان في الجنازة، وإدخاله إلى القسم الخاص بالأسرة المالكة أثناء صلاة
الجنازة وحده من بين كل الزعماء العرب والمسلمين المشاركين.

قبل
يوم فقط كان حزب العدالة والتنمية “شيطاناً أكبر” في المنطقة
بالنسبة إلى السعودية، وتتبادل وسائل الإعلام السعودية والإيرانية الأخبار الملفقة
عن تركيا، حتى إن بعض “المحللين” السياسيين السعوديين كانوا
يصرخون من الرياض منتقدين (!) الحكومة السعودية لعدم اتخاذها إجراءات صارمة ضد
تركيا، ومنع سفر السعوديين إليها! فجأة، وبإعلان وفاة الملك عبد الله، تعلن إشارات
وفاة تلك السياسة، ويُستقبل أرضوغان بحفاوة، ويفسح له مكان بين الأمراء في صلاة
الجنازة. يبدو أن أرضوغان نفسه استغرب “الانقلاب” السعودي تجاهه.

بالفعل
حدث انقلاب في السعودية، وإن لم يكن انقلاباً بالمعنى المادي للكلمة، فهو انقلاب
بالمفاهيم. يبدو أن السعودية في العهد الجديد ستغير سياستها الإقليمية، وأكثر ما
هو منتظر من هذا التغيير هو تحالف أو تنسيق سعودي تركي ظهرت بوادره في جنازة
العاهل السعودي، ويمكن لهذا التحالف أن يكسر الجمود الذي يخيّم على الوضع السوري
منذ أكثر من سنتين، وإن لم يكن جموداً فهو تراجع على كل الأصعدة.

ستُطرح
قضية المنطقة الآمنة في الشمال السوري من جديد، وحينئذ هل سيبقى أوباما وحده
مدافعاً عن نظام الأسد؟ إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية لم تقبل بإقامة منطقة
آمنة في الشمال السوري، فهي لم ترفض الفكرة تماماً، وكلما سئل مسؤول أمريكي عنها
يقول: “إنها ضمن الخيارات”..

هذه
المؤشرات كلها تعني شيئاً واحداً هو أن أكبر المتضررين من وفاة الملك عبد الله هو
نظام الملالي الحاكم في دمشق، وإذا سألنا عن سبب نصب الدبكات في الميادين احتفالاً
بالموت، فنحن اعتدنا منذ الخامس من حزيران لعام 1967 حتى حرب عام 1982، ومروراً
بما سمي حرب تشرين “التحريرية” 1973 بتسمية الهزيمة نصراً، وكلما كبرت
الهزيمة كبر النصر، وهناك انتصارات تاريخية، وأخرى أكبر من تاريخية وهي الانتصارات
الإلهية…

إنهم
يضحكون كثيراً بمناسبة الموت وصدور فتوى الولي الفقيه: “خلصت“،
ولكن المثل العربي يقول: “من يضحك أخيراً يضحك كثيراً“…

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *