سامر البرزاوي
طحنت المتغيرات الاقتصادية حال المواطن السوري خلال الأعوام الأربعة الماضية من الثورة، ولا سيما في العامين الأخيرين مع بدء التدهور الملحوظ للاقتصاد المحلي، ما ألحق بالسوق واقتصاد المواطن ضرراً بالغ الأثر في ظل ارتفاع صاروخي للأسعار، ليغدو الاستغلال من قبل التجار رائجاً، ورقابة النظام نائمة واتباعه سياسة ذبح المواطن بلقمة عيشه مستمرة.
وتتبدل أسعار المواد التموينية بشكل شبه يومي في المدن السورية، بحجة التقلب بأسعار الوقود وصعوبة تأمينه ما يرفع كلفة النقل والتوزيع. يقول أبو محمود، صاحب دكان في منطقة القيمرية بدمشق، لـ”صدى الشام” إنّ “الأسعار كالبورصة الخاضعة لمزاج تجار الجملة، دفعتني لأكتب على واجهة محلي جملة (المعذرة لست من يحدد الأسعار)”، ويحكي كذلك، عن عشرات الزبائن التي تغادر الدكان بعد سماع السعر دون شراء حاجياتها، بينما تلوم إيمان، أستاذة مدرسة، البائعين واصفة إياهم بتجار الحرب من خلال قولها: “لا أدخل على جاري السمان إلا وأجده يتصل بتجار الجملة لينقل اللائحة الجديدة أو يدون الأسعار على البضائع مرة تلو الأخرى، إنهم يتاجرون بنا“.
جدال بطعم الألم
“شو هالحكي”، “هي غليت كمان”، “لسه مبارح غلوها”، كلمات وردّات فعل تتناقلها الألسن حول القفزات المفزعة في الأسعار، مقحمة المواطن ذي الدخل المحدود في صراع مستمر لتدبير قوت يومه بأقل سعر ممكن. خصوصاً مع الخسائر الاقتصادية التي أصابت نسبة كبيرة من المواطنين كتضرر مصادر الرزق وانقطاع الرواتب في مناطق النزاع.
جلال، ناشط مدني من حلب، يروي المأساة التي يعانيها سكان منطقته في تأمين الخبز بأسعار خيالية حيث يصل سعر الرغيف الواحد إلى خمسين ليرة. قائلاً “دائماً أتعرض لاستغلال لكنني أشتري، ففي الوقت الذي لا يتواجد فيه خبز بمدينة كاملة كحلب، ستشتري الربطة بـ 1000 ليرة بدون مجادلة“.
مما لا شك فيه أن الارتفاع المتزايد للأسعار أدخل الكثير على جيوب التجار. مصطفى، شاب يعمل في محل للبقلاوة بالميدان، روى أن صاحب المحل سعيد بقرار الرفع الأخير لسعر الوقود رغم أنه يشتري المازوت من السوق السوداء منذ عدة شهور. يضحك مصطفى وتشاركه الضحكة زميلته في الجامعة، رويدا، التي تسخر من مواقف عدة تعرضت لها مع أصحاب المحال التجارية الذين يخفّضون الأسعار من بداية النقاش وكأنه يقول لك في العلن: أنا أنصب عليك. بينما يعتبر محمد، عامل نظافة، الاحتكار هو المصيبة الأكبر، فيقول:
“تباع عبوات الغاز في كراج درعا أمام أعين التموين بأسعار مضاعفة، والحكومة تتهم تجار التوزيع بالاحتكار“، ويتابع “من نصدق؟ وهل سيحتكرون الهواء الذي نستنشقه قريباً”.
الاستغلال عقلياً
لا تتوارى حكومة النظام بدورها، عن التلاعب بمصائر المواطنين فتغرقهم بالأكاذيب، وآخرها حملة أطلقت عليها “عيشها غير” لتجعل عام ٢٠١٥ “غير” على السوريين . يقف يوسف، موظف حكومي، أمام إعلان طرقي للحملة يحكي عن انضمام وزارة حماية المستهلك لـ”عيشها غير” قائلاً: “انضمت حقاً ولكن للمشاركة في عملية السلخ“. سلخ لا يتوقف عند مناطق النظام، ففي مناطق المعارضة الحال أسوأ، كما في دوما المحاصرة.
يخبرنا أسعد عبر شبكة الإنترنت عن حال أهله هناك وقد بلغ سعر كيلو الأرز خلال العاصفة الأخيرة3000 ليرة بينما ارتفع سعر كيلو السكر إلى 5000. الاحتكار من قبل تجار الغوطة الشرقية بلغ أوجه في الفترة الأخيرة ما خلق صدامات متكررة بين الأهالي والفصائل المقاتلة على الأرض، كما روى أسعد.
سلسلة تضييق القيد
يعد ارتفاع أسعار الوقود السبب الأكثر قهراً في ذهن المواطن السوري اليوم، فما إن تخرج شائعة الارتفاع ليلاً حتى تقفز الأسعار في لحظتها كلّ حسب مزاجه.
“كنت في السرفيس“يقول هشام، طبيب متدرب، “فإذ بالسائق يطالبني بدفع عشر ليرات إضافية، وعندما سألته عن السبب، فسر باتصال صديقه للتو وإعلامه بارتفاع سعر المازوت”، ليس ذلك الموقف الوحيد، فقد تفاجأ في اليوم التالي حين غص بسندويشة الشاورما وقد ارتفع سعرها إلى خمسين ليرة دون أي لائحة تموينية بذلك. وهكذا يجرّ سعر الوقود، المنخفض عالمياً المرتفع سورياً، كافة المواد والأجور معه حتى أشياء لا علاقة لها بالوقود ككلفة حلاقة الشعر أو المنتوجات اليدوية. ما يزيد على الجرح السوري قهراً آخر يتلاعب بمصير طعامه وتحركه اليومي. عداد للأسعار غير دقيق وغير مراقب لا يعرف أن يعدّ عكسياً، يتقن فقط القفز غير المنتظم للأعلى.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث