عمّار الأحمد
بعد مقتلة تشارلي إيبدو، والتي تشبه المجازر التي
تحدث في أصقاع الأرض، برز نقاش عالمي وعربي؛ هل التطرف الديني وحده من يسمح
بالمجازر، ولماذا الدين الإسلامي يبرر ذلك؟ وإثر ذلك برز رأيان سائدان لتفسير الأمر:
رأي يقول إن الدين الإسلامي يحض على القتل والكراهية وآخر يقول لا علاقة للدين
بالقتل والكراهية.
أي هما
رأيان متناقضان بالكامل، ولكنهما رأيان عنصريان وطائفيان، يبرران القتل تارة باسم
تكفير الدين الإسلامي وتارة باسم تنزيهه عن أي نقد، ودراسة وفهم وتحليل عميق له؛
ولكل ما صدر من فتاوى وأبحاث مستندة إليه، لا يفسر أي قتل بذاته، رغم أن القتلة هم
أفراد محددون بأعينهم، وأطلقوا عبارات دينية محددة لتغطية مجزرتهم تلك، وكذلك إن
استند المجرمون إلى دين معين، فهذا لا يعبر عن الدين بشيء على الإطلاق، فهناك
ملايين المسلمين في فرنسا وأوروبا والعالم، ولا شأن لهم بالقتلة!
المجموعات الطائفية والمجرمون هم أفراد محددون،
ولهم قراءة سياسية للدين ويستندون إلى فتاوى لاحقة أكثر مما يستندون للنص الديني
أو لأحاديث النبي، إذا لا علاقة للدين بالمجرمين، وإلا لاعتبرنا كل من يدين بالإسلام
مجرماً! وإن رفض استناد التطرف الديني إلى الدين أمر غير صحيح بالمطلق، فكل تطرف
ديني يسند نفسه للدين لتبرير نفسه، ولكنه يستند إلى فتاوى ابن تيمية وابن القيم
ولاحقاً إلى محمد ابن عبد الوهاب والسيد قطب أكثر فأكثر، فهم يستقون مبررات فعلهم
من هؤلاء؛ ويغطي كل ذلك الإخوان المسلمين بل والمؤسسات الدينية التابعة للأنظمة،
والتي تمتنع عن اعتبار ممارسات القتل باسم الدين عمليات إجرامية ويجب محاسبة
القتلة أمام القانون الجنائي كمجرمين، وتمتنع أيضاً عن اعتبار كل الحدود الدينية
كالقتل والرجم والجلد وقطع اليد، وغيرها من الحدود القاتلة والمشوهة للإنسان،
والمهينة لكرامته والقامعة لحقه بالتصرف بجسده، حدوداً يجب إيقاف تفعليها، وأن
هناك عقوبات جديدة تُستقى من القانون الوضعي العالمي لمعاقبة الأفراد على فعلتهم سواء
كانوا مؤمنين بدين معين أو ليسوا بمؤمنين.
كل ما ذكرناه لا يفسر بشكل موضوعي أسباب ظهور
التطرف الديني؛ فهناك مسلمون وليسوا بقتلة، وهناك مؤمنون ويرفضون أي قتل يقع على المسلمين
وعلى أي إنسان في الأرض؛ التطرف الديني والعنف اللاحق له سببه غياب تنمية اقتصادية
تشرك ملايين الناس بالعمل، وغياب حريات سياسية واجتماعية تتيح للأفراد التعبير عن
دواخلهم كما يشاؤون شريطة عدم المساس بحرية الآخر وبكل المؤسسات العامة. وسبب غياب
ذلك، هو الطبقات الرأسمالية في العالم المتقدم والمتخلف؛ هذه الطبقات بالتحديد،
ولأنها تهدف إلى زيادة ثرواتها والتضحية بالناس، ومن أشكال التضحية موتهم بكل
بساطة، دعمت وتدعم كل أشكال الأصوليات والعنصريات والحروب الأهلية في العالم. فحين
ينخرط الناس في هكذا أفكار فهم لن يفكروا: لماذا الفقر متلازم مع التطرف، ولماذا
التطرف متلازم مع حرمان العرب والمسلمين من حقوقهم باسترجاع فلسطين وتهميشهم في
أوروبا في كانتونات مدقعة الفقر؟ ولماذا يشهَّر بنبيهم بشكل موسع وتُغمَض العين عن
بقية الأنبياء التابعين للديانات المسيحية واليهودية والديانات الطبيعية كذلك؛ حين
نقرأ الواقع بكل تفاصيله وبالقوى المسيطرة عليه مالياً سيتم الفهم الدقيق لأسباب
التطرف في العالم بأكمله.
نضيف في أسباب التطرف، دور دول الخليج وأثريائها حيث
تدعم كل تنظيم أصولي وجهادي؛ التنظيمات المتطرفة، كذلك تفعل أمريكا وأوروبا والدول
الرئيسية في العالم، وإلا فكيف يأتي الجهاديون إلى سورية ودون أن يعترض طريقهم
أحد! طبعاً لا زلنا نتذكر كيف “صنّعت” أمريكا والسعودية ومصر ومعهم الإخوان
المسلمين تنظيم القاعدة، وسمّت المقاتلين الإسلاميين المتطرفين الذاهبين إلى
أفغانستان “مقاتلون من أجل الحرية”. وهذا أسس بشكل كبير لكل أشكال
التطرف اللاحق، وكان ذلك بإشراف المخابرات الأمريكية.
نقطة أخيرة ودقيقة، ما لم تنته السعودية من الإيديولوجية
الوهابية، والتي تعود إليها كل التنظيمات الأصولية، فإن هذه التنظيمات ستظهر لا
محالة، يضاف لذلك الدعم المالي المهول الموجه إليهم هم بالتحديد؛ وهنا يفيد أن
نتذكر أن كل الكتائب الوطنية السورية عانت من كل أنواع الويلات والعوز بينما كانت
التنظيمات الجهادية تصلها الأموال والسلاح وغيره تباعاً، وهذا ما سبب هجرة واسعة
لأفرد الكتائب الوطنية إلى تلك الجهادية؛ لا حباً بها، بل لإنقاذ نفسها من العوز
والتصفية.
أخيراً التطرف الديني في سورية سيتلاشى بمجرد
إيقاف الدعم عنه؛ وذلك لن يحصل قبل حدوث اتفاق سياسي ينهي الصراع في سورية، وسيدعم
ذلك التلاشي سياسات تنموية في الاقتصاد والتعليم والثقافة، وتشكيل نظام سياسي
ديمقراطي يضمن للأفراد ممارسة حريتهم، ونضيف نقطة هامة ألا وهي محاسبة كل القتلة دون
ساحات الحرب باسم الدين، ومن أي طائفة كانوا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث