عبد القادر عبد اللي /
لعل مساء يوم الجمعة 15 تموز كان من الأيام العصيبة على السوريين الذين يعيشون في تركيا. فالجميع تقريباً كان يعتقد بأن تلك الليلة ستكون منعطفاً من أسوأ المنعطفات التي عاشها في حياته، وخاصة أولئك الذين شهدوا انقلاب السيسي، وغادوا مصر إلى تركيا، ولعل أحداً منهم لم ينم في تلك الليلة، ومن نام قليلاً سرعان ما استيقظ على كوابيس يرى فيها نفسه مرمياً على الحدود في مواجهة الغول الفارسي بقيادة الإمام الفقيه.
السوريون المنحبكجية أيضاً كانت بالنسبة إليهم ليلة فاصلة في حياتهم، فقد عاشوا سكرة نصر وهمي يحلمون بها منذ ما يزيد عن خمس سنوات، وأطلقوا الرصاص ابتهاجاً، وتوقفت الأخبار لديهم عند اعتقال أرضوغان وقيادة حزب العدالة والتنمية.
ليست المرة الأولى التي تتوقف فيها الأخبار لدى المنحبكجية عند اعتقال أرضوغان، فهذه المرة الثالثة التي يعتقل فيها، ولم يخرج في أي منها خارج السجن بحسب قناة الدنيا وشقيقاتها.
كانت المرة الأولى يوم نظّم العلويون في تركيا مظاهرات غزي بارك “تقسيم” محتجين على تسمية الجسر الثالث للبوسفور جسر السلطان سليم الجبار لأنهم يعتبرونه قاتل العلويين، وهذه التسمية حديثة ناجمة عن نصره على السلطان الصفوي الشاه إسماعيل. فبحسب مدرسة الدنيا الإعلامية اقتحم المتظاهرون يومئذ مقر رئاسة الحكومة، وألقوا القبض على رجب طيب أرضوغان رئيس الحكومة، وأودعوه السجن، ولم ينشروا خبر إطلاق سراحه حتى الآن.
المرة الثانية يوم قصف الغوطة الشرقية بالأسلحة الكيماوية المحرمة دولياً، فقد أعلنت يومئذ قنوات الدنيا المختلفة أن التحقيق الدولي أثبت ضلوع رجب طيب أرضوغان باستخدام السلاح الكيماوي ضد المواطنين السوريين في الغوطة الشرقية، وألقت المحكمة الجنائية القبض عليه، وأودعته السجن، ولم يصدر بعدئذ خبر آخر يفيد بأنه خرج من السجن.
المرة الثالثة كانت في الليلة المذكورة، ليلة المحاولة الانقلابية، فقد توقف البث الخاص بالانقلاب عند القبض على أردوغان، وإيداعه السجن، ولا أعتقد أنهم سيعلنون خروجه.
هناك من يعتقد بأن مدرسة الدنيا الإعلامية هي وريثة غوبلز وزير البروبغندا الألماني لدى هتلر، بمعنى إذا كررت الأمر مرات عديدة يصدقه الناس، ولكن هذه الأخبار لا تُكرر من أجل أن تصدق، فهذا النوع من الأخبار لا يمكن أن يصدق، ولا يكتب لكي يُصدق، فكيف يحبس المحبوس، ومن ثم يُحبس مرة أخرى؟
تنتمي مدرسة الدنيا الإعلامية إلى مبدأ السحر في قبائل وسط أفريقيا البدائية، فعندما يريد أحد أفراد تلك القبيلة شيئاً ما، ينظم له الساحر رقية فيها ذكر لذلك الشيء مرات عديدة، ويكرر هذه الرقية كثيراً من المرات على أمل أن تتحقق، لا على أمل أن يصدقها. وبالتالي فإن رجل الأمن الذي يكتب تلك الأخبار لا يكتبها لكي يصدقها الناس، فهو نفسه لا يصدقها، ولا يمكن أن يصدقها، فكيف سيقنع غيره بها؟ إذا هو يكتبها وكأنه يكتب رقية من أجل أن تتحقق.
يبدو أن المنحبكجية كرروا هذه الرقية كثيراً، فاعتقدوا بشكل جدي أنها تحققت، ولهذا احتفلوا، وأطلقوا الرصاص ابتهاجاً، وحتى إنهم لم يحزنوا نهائياً لسقوط بعض الضحايا بسبب الابتهاج، فالقضية المحتفى بها أكبر بكثير من أن يتوقف الأمر عند بضعة ضحايا وبضعة عشرات من المصابين.
ولا أدري على ماذا يعتمدون بسكرتهم تلك. أما كانوا ضد الإسلام السياسي السني؟ ألا يعتبرون أن الإسلام السياسي السني هو سبب نكبتهم؟ من قال لهم إن الداعية فتح الله غولان هو خارج الإسلام السياسي السني؟ وهل تطلق كلمة داعية سوى على رجل الدين السني؟
قبل أن توضع صحف فتح الله غولان تحت الرقابة القضائية، كانت هذه الصحف تنتقد الحكومة التركية على تقصيرها بتقديم الدعم للسوريين، وتدين الحكومة التركية لأنها تقف عاجزة وتتكلم كثيراً إزاء مأساة السوريين. بمعنى أن المنقلبين يدعون أنهم يكرهون الأسد وعبيد الأسد، فلماذا يحبهم المنحبكجية؟ هذا أمر يصعب فهمه مثلما يصعب فهم تركيبة عقل المنحبكجي.
في الحقيقة أن نجاح الانقلاب كان نجاحاً إعلامياً أنفقت عليه أموال طائلة، وسُخِّرت له طاقات إعلامية كبرى، وحُشد له منذ فترة طويلة. ولم يكن هناك نجاح للانقلاب بالمعنى الحقيقي للنجاح، فأعضاء الحكومة جميعاً بقوا طلقاء، ويدلون بالتصريحات عبر الفضائيات المختلفة، ولم يغير احتلال الانقلابيين للتلفزيون الرسمي شيئاً بالأمر، ولولا القاعدة الجوية التي كانت بحوزة الانقلابيين لما وقعت هذه الخسائر.
المشكلة أن السوريين كانوا يعيشون على أعصابهم بعد الترويج لمصالحة تجري بين أنقرة ودمشق، فجاء خبر الانقلاب ليزيد الطين بِلَّة، ويجعلهم في أسوأ حال.
صحيح أن الانقلاب انتهى، ولكن الانقلابات مهما كانت نتائجها لا يمكن إلا أن تكون نقطة علام مهمة في حياة الشعوب. من المؤكد أن سياساتٍ أخرى غير القائمة ستنتهج بعد اليوم، وبعد أن ألقى السوريين عن كاهلهم عبء ما عاشوه، ينتظرون الآن الارتدادات المحتملة…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث