صدى الشام: وفاء نديم
الألوان كانت جزءاً من مشهد الدم السوري. ولعلها كانت الأسرع تأثراً بلون
الدم المطلي على الشاشات. لم يكن مستغرباً سرعة استجابة التشكيليين السوريين إلى أصوات
العويل واعتصار الأرواح، وهي تكابد عاماً رابعاً من الحرب على كل شيء في سورية.
زهير حسيب يحملها أحزانه
التشكيلي زهير حسيب، رافق الألوان في صحبة عمر امتدت إلى 35 سنة، “حمّلتها،
خلالها، أفراحي وأحزاني، وحملتني خلال هذه السنوات إلى آفاق مجهولة، وبكل محبة تستقبل
نزقي وألمي، كنت أتعامل معها بحب وعشق”. المقتلة السورية فرضت على روح حسيب سؤالاً بحجم، سؤالاً عن كيفية رسم “دموع
الأمهات الثكإلى، وهنّ يحتضن أطفالهن، متكورات عليهم كرحمهن الدافئ “. الإجابة
لم تمنحه على الدوام قدرة على الانجاز، فقد “فشلت مرات ومرات في ترجمة هذا المشهد
المأسوي لونياً .. لكن كنت أعزى نفسي بأني أضفت شيئا من روحي”. وحينما كان يتمكن
من الحصول على شيء من الإجابة كان يرسم “النازحين والأمهات الثكإلى وكأنهن أيقونات
مضاءة بخيوط الشمس. كنت أضع اللون الأسود بجانب الأحمر وأتساءل: هل هذان اللونان هما
ترجمة للمأساة؟ وكان الجواب لا. وكان النداء الخفي يأتي من الأبيض، بأن يكون له مكانة
بين اللونين حتى أمنح نفسي شيئاً من الأمل والضوء”.
“جورنيكا” بيكاسو، المجزرة المعروفة إبان الحرب الأهلية في إسبانية،
وكيف أن بيكاسو-يقول حسيب- “رسمها بخطوط كرافيكية غلب عليها الرمادي الموشح بأزرق
خفيف، أحيانا أضع الأزرق المضيء بجانب الأحمر المشتعل حتى يتوهج العمل اشتعالاً وألماً”.
لكن القبض على اللون ليس متاحاً على الدوام، فكم من مرة “أفلت مني اللون فخرجت
من المرسم مكسوراً مهموما” وأحيانا “أقبض عليها فينساب اللون شيئاً فشيئاً
على جسد اللوحة المثقلة بموسيقا الألم”.
الحرب تصقل تعبير سموقان
كان سقراط يعرّف الإنسان بأنه “ذات حرة” وهو ذات التعريف الذي يمنحه
الفنان سموقان للون، فهو كالإنسان “يملك حرية الحركة في وسط يؤثر بالأشكال المجاورة
ويتأثر بها، يمتزج معها كما يمتزج اللون مع اللون “. هو سعي ودأب “لأن يكون
العمل الفني فعلاً روحانياً، يسمو بالبصر والبصيرة”.
“الحرب صقلت الجانب التعبيري في لوحتي”. التعبير، السمة القديمة
– الجديدة لمنجز سموقان الفني. لوحات تحاكي الروح “حيث يرى المشاهد رموزاً يعرفها،
لكنه يحتار أمام دلالتها اللونية، فالسياق الذي تأخذه عناصر الواقع تتركب وتتراكب بفعل
داخلي حر يخرج عن كل قاعدة لونية، فأنا لا أرسم الشجرة وإنما روحها ولا أرسم الحدث
المباشر”.
التدثر بالألوان
سموقان يحول الألوان إلى “نوع من الغطاء للكارثة وللأزمة المتوقعة”.
يشعر أن العمل التشكيلي يتحول إلى “جبهة أمام الأزمات”. في المرسم مجموعة
كبيرة من الأعمال تقدم لوناً أكثر منها رسماً، وهو إنجاز مرده “الشعور بالخطر”
الذي “يولِّد لدىَّ دافع العمل الفني”.
في حالات الارتكاز- التدثر، باللون، وفي نقيضها، عندما يستولد من رحم الخوف
دوافعه الفنية، يمتلك سموقان القدرة على تصعيد الفرح اللوني لاعتقاد راسخ كثافته أن
“مشاهدة الألوان المفرحة هي الحل لمختلف الأزمات التي يعاني منها البشر”،
وعليه راح يجتهد لجعل “الضوء الملوّن يتسربل من كل سنتيمتر مربع” في لوحته.
نصرة و”صلاة من
أجل دمشق”
استبدل الكثير من تشكيلي سورية الألوان الحارة بالباردة والترابية، تغيرت
ملامح النساء، تغيرت الرموز. حتى السماء – بحسب اسماعيل نصرة- “لم تعد زرقاء”
ولوحته “صلاة من أجل دمشق” هي الشاهد على المتغير، الطازج، المستمد عناصر
وجعه مما سجلته ذاكرته القريبة من مجريات الحرب السورية، الواصلة إلى تخوم العبث.
يكفي التشكيلي أنه، كان ولم يزل، شاهد عيان على العصافير “المهاجرة من
هُباب الدخان المخيم على سماء دمشق” وذلك العصفور – في نفس اللوحة- المرمي أمام
قدمي المرأة “دمشق” ما هو إلا طفل أصابته شظية. نصرة لم يتصنع المشهد في
منجزه التشكيلي.
المرأة في لوحة “صلاة من أجل دمشق” تختلف عن تلك الدائمة الحضور
في أغلب لوحات نصرة السابقة. هي امرأة وشحها السواد، ورغم نورانية وجهها، تمكن الحزن
من ضرب خطوطه عليه، ترفع يديها متضرعة للرب في العُلا. من السواد تسرب الأحمر إلى أرجاء
اللوحة. الأحمر لطالما كان يأخذ حيزاً تعبيرياً مختلفاً فيما سبق من أعماله.
يعيشون الموت
الخط تأثر برجع صدى الفنان، الخط ومؤسس اللوحة، ونصرة لم يتخل عنه بالمطلق
“وإنما تغير وزنه النسبي في اللوحة. فبعد أن كان سيداً أصبح مكملاً للون. وجدت
له منفذاً آخر للتعبير عن موقفي السياسي معتمداً على جمل وكلمات في بعض أعمالي الأخيرة،
اقصد مجموعة “دمشق 2013 -2014 نصرة يعيش مع الموت يومياً” مع الأحمر، والرمادي،
لم أعد قادراً على إيجاد او استحضار ألوان الفرح، وإلا سأكون في حالة انفصام عن الواقع،
وأنا أعيش الحالة وأرى الألوان كما يراها أي مواطن سوري”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث