ميسون شقير /
لم أكن أعرفك يا إياد شاهين لكن بعضا من مقاطعك كانت قد عرفت طريقها إلى روحي جيدا، ولأن الكلمات كالنساء ذكية وعميقة ومخاتلة فقد عرفت مقاطعك تلك كيف تحفر جدران روحي بأظافرها الحادة وكيف تبقى فيها طويلا.
“البحر مالح بسبب دموع الغرقى” سمعتها من صديقتي التي استشهدت بها وهي تخبرني عن تميز تجربتك، ومن يومها ودفعة واحدة دخل كل الغرقى إلى دمي، دمي الذي حولتموه، أنت والغرقى، إلى بحر مالح.
لماذا كتبت هذا يا إياد؟ لماذا حكمت على عيني بكل تلك الرؤية الجارحة، هل كنت تعرف يا إياد أن الغرقى السوريين سيحملون عنا كل ملح الأرض؟
لم أكن أعرفك أيها الشاعر الطيب، وليتني تلك الليلة في صيف 2009 لم أذهب لبيت القصيد بالقرب من فندق دمشق كمدعوة لتقديم بعض مما في جيوبها من بقايا فستق وقصائد، وليتك لم تذهب تلك الليلة بالذات إلى نفس المكان كي توقع فيه مجموعتك الأولى، والأخيرة، ليتنا لم نلتق للمرة الأولى، والأخيرة. ولم تعرفنا على بعض صديقتنا المشتركة بقولها: “لن تختلفا، فكلاكما درس الطب وخانه بالشعر، وكلاكما ستخونه القصائد”، وليتني لم أضحك وأقل: سيكون جيدا أن تخوننا القصائد، وليتك وبكل هدوء وعمق لم تعلق: ربما حينها ستخوننا الحياة، وربما لن يكون جيدا”.
هل كنت تعرف أنها ستخوننا، هل كنت تعرف أن الموت أيضا سيخوننا، وهل كان لا بد لنا من كل هذا التوغل ما بين الموت والحياة كي نعرف؟
كانت قد انتهت تلك الأمسية ببيت القصيد وكنت قد عدت إلى بيتي، وكمن يعثر على صندوق أنيق ويكتشف فجأة أنه يحتوي على أحجار ثمينة بألوان لم يكن يعرفها، عثرت عليك، ودهشة، دهشة، قرأتك لتمدد القصائد أمامي بكل عريها بدون أي تزويق أو حذلقة بدون التخفي وراء ستار ادعاء الحداثة الهش، بدون الغرابة والتشويه، هكذا دهشة عارية نقية كاملة، دهشة اللقطة ودهشة الفرح باكتشافات عميقة جديدة طازجة وحادة، حادة وواخزة، دهشة معدنية، دهشة كدهشة رياض الصالح حسين بسيطة كالماء وواضحة كطلقة مسدس، دهشة لا تموت ولا تنسى ودائما تصيب القلب.
لم أكن أعرفك يا إياد، ولم أكن أتوقع أن أعيد مجموعتك هذه وملح دموعي يسبقني ليقرأك.
نعم يا إياد فلم يزل “الخيط الذي يدخل ثقب الإبرة يظن نفسه أنه هو من ثقبها”، ونعم يا إياد “فكل شيء قد خذلنا وخذلك حتى السم الذي تناولته لم يقتلك”، ونعم يا إياد، أكتب لك الآن لعلي أعرف كيف أموت.
في ذكرى رحيلك يا أيها الجميل أذكر تلك الحفرة التي خلفها سقوط اسمك شهيدا في دمي قبل أن ينفجر. وأذكر أني كنت أفتح صفحتي كعادتي كي أكتب لأخي الشهيد دعابة فهو يحب الضحك، حين مر الخبر على صفحة لصديقتي، وأذكر أني لم أفهم من المرة الأولى وأني أعدت قراءة الخبر ولم أعرف كيف وصلت إلى مكتبتي التي كنت قد أهملتها تماما مذ ملأت الأصوات الساحات، وأني أخرجت مجموعتك وقرأت إهداءك لي كأني أقرأه للمرة الأولى “كي نعرف كيف نموت”، أعدت قراءة الإهداء الصاعقة عشرين مرة، ضممت المجموعة إلى صدري، بكيت يا إياد كما كنت أحب أن أبكي يوم سقوط أخي في حفرة في قلبي، تحت التعذيب يا إياد، تحت التعذيب، هل نكتب كي نعرف كيف نموت تحت التعذيب؟ هل عالجت كل تلك الأوجاع كي تخرج والسجائر وعصي الكهرباء والكرسي الألماني والشبح كلها معلقة على جسد القصيدة.
هي بلادنا، دمنا الراكض في كل جهات الله، يا إياد جعلت هذا البحر أملح، هو ملح الصرخات الأخيرة للأطفال الغرقى، للأمهات اللواتي لم يتركنهم وحدهم، هذا البحر أملح الآن يا إياد فلا تلم القصائد على كل هذا العطش.
في ذكرى رحيلك، ليتني لم أعرفك، ربما كان هذا الموت أقل موتا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث