طه علي الأمين
كلام
يرهقهم وآخر يتهمهم، وقليل منه ينصفهم وأكثر الأفعال تسئ لهم، واقعهم خارج وطنهم
صعب وضمن وطنهم أصعب، إنهم العمال السوريون في لبنان، والذين ساهم أغلبهم في إعادة
الإعمار هناك، بعد أن فقد أغلبهم الأمل في ذلك ضمن وطنه الأم، المنهك بحرب ضربت
البلاد العباد. يحاول التحقيق التالي رصد
واقع العمال السوريين في لبنان من خلال التعرف على عددهم بالإحصائيات، وسبل عيشهم ومعاناتهم هناك، إضافة
للتعرف على واقع عمالة الأطفال السوريين في لبنان.
تجاوز المليون
يعيش
في لبنان أكثر من مليون ونصف سوري وفق العديد من الإحصائيات، منهم أكثر من 740 ألف
لاجئ، بحسب آخر إحصاء للمفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، أكثر من نصفهم
من الأطفال، إذ دخل أغلبهم بعد الثورة السورية التي اندلعت عام 2011، بموجب الترتيبات
القديمة التي كان معمولا بها لعقود طويلة، لكن أصبح الدخول للبنان صعب حالياً إذ
لم يثبت أن له إقامة هناك، وبهذا لن يستطيع
الكثير من العمال اللبنانيين العودة بموجب الضوابط الجديدة، أما إذا بقي السوري الذي
دخل لبنان بإقامة مؤقتة، ولم يخرج بعد انتهاء إقامته، فسيكون مهدداً بالترحيل والمنع
من دخول البلاد في المستقبل لفترة طويلة.
للبناء حصته الأكبر
كان لاتفاق الطائف 1989 دور كبير في قدوم العمالة السورية بشكل هائل لبلاد
الأرز، إذ اكتسبت القوى العاملة السورية زخمها منه، وهذا لعب بدوره طفرة عمرانية وزراعية
لبناء ما هدمته الحروب الأهلية هناك، وعليه يقول جمال حرب/موظف لبناني: “كان
العامل السوري ركيزة أساسية في بناء لبنان، وساعده في ذلك هجرة كبيرة للبنانيين في
ذلك الوقت، وتحول قطاعات كبيرة من مسارات الإنتاج الزراعي والصناعة البدائية نحو
السياحة، وهو ما فسح المجال للعمال للسوريين للتوجه نحو ميدان الزراعة والصناعة
والبناء والمهن التي تتطلب مجهودات عالية، وهو ما حدث ووجد فيه العامل السوري
بارقة أمل نتيجة الفوارق المقبولة بين العملات، وهو ما ساعده على تحصيل دخل أعلى، واستعداده
العمل في مهن يرفضها الكثير من اللبنانيين”.
ومن جانبه يؤكد المحلل الاقتصادي “محمد البشير” أن 70% من العمال
السوريين يعملون في قطاع البناء، في حين يعمل 15% كباعة جوالين، و15% كعمال نظافة،
وعادة ما يعيش هؤلاء ضمن أماكن العمل التي يعملون بها، لكن منذ
الثورة السورية بدأت تزداد شكاوي اللبنانيين، مؤكدة أن أراضيه ضاقت بالعمالة السورية
الوافدة لتأخذ من نصيبه في بعض المهن، ولتمتد إلى مهن محصورة باللبنانيين، وزاد
هذا التخوف من ارتفاع نسبة البطالة بين اللبنانيين وانحسار النمو”، دون أن
يكون رقم معين يحدد حجم هذه العمالة.
واقع
مؤلم يحيطهم
يعتقد د.”محمد”
مدرس في كلية الإعلام بجامعة دمشق، أن رخص اليد العاملة السورية، وفرت أرباح هائلة
للبنانيين في إعادة ما خلفته الحرب الأهلية، وحرب تموز 2006، فلو أراد اللبنانيين
إعادة الإعمار بأنفسهم، فإن كلفة ما دمرته الحرب تتجاوز ذلك بأربع أضعاف، وعليه
يقول المحلل الاقتصادي “عمر جلال”: “لعب تضخم العمالة السورية
وفيضانها عن حاجة السوق في زيادة العرض على الطلب، وبالتالي انخفاض الأجور وارتفاع
أرباح كثير من المستثمرين اللبنانيين”.
لكن هذا لم يمنع من حياة غير آمنة للسوريين حتى
خارج الحرب ضمن بلدهم، فأماكن سكن العمال واللاجئين السوريين في لبنان لا تختلف عن دائرة أحزمة
الفقر والعشوائيات التي قدموا منها من وطنهم الأم، فواقع الحرب الذي عاشه
“هادي العودة” في منطقة دوما يراه الآن ضمن منطقة سكنه في المنطقة
الواقعة بين جبل محسن وباب التبانة، والتي تشهد بين فترة وأخرى اشتباكات بين
مناصري ومعارضي نظام الأسد، يضاف لذلك مضايقات عدة تحيط بالعمال السوريون في لبنان
طبقاً لتوجههم السياسي، ومنع التجول ليلاً، والتدقيق الأمني المستمر بهم، ومضايقات
عبر الحدود، ليخلط بينهم وبين اللاجئين، ما يحرمهم من الدخول، بالمقابل لعبت دهاليز السياسة دوراً كبيراً في التعامل مع العمال
أيضاً، إذ أكد عمال سوريون عدة أن نظرائهم من المؤيدين لنظام الأسد يستطيعون الدخول
في أي وقت وساعدهم في ذلك حزب الله وأنصاره ليعبرون إلى الأراضي اللبنانية عبر المناطق
الحدودية التي يسيطر عليها الحزب في منطقة القصير السورية التي ترتبط بلبنان بممر عسكري
خاص لحزب الله.
تقتل حلم
الطفولة
امتدت
العمالة السورية في لبنان إلى حلم الطفولة لتقطفها قبل أن تأتي تزهر ثمارها، “محمد”
الحالم بأن يكون ضمن مقاعد التعليم في سورية، أصبح حلمه هباءً منثوراً، بعد أن وصل
للبنان قبل سنة، مخلفاً عائلة لم تجد سبل العيش في محافظة دير الزور، ليبدأ عمله في
أحد ضواحي العاصمة بيروت في الثامنة صباحاً ضمن سوبر ماركت، “محمد” واحد
من الأطفال السوريين قادتهم ظروف الحياة للعمل من أجل البقاء على قيد الأمل، في حين يقوم آخرون بمسح الأحذية مقابل مبلغ زهيد، بينما
يستغل “مصطفى” ليعمل لأكثر من عشر ساعات في اليوم مجاناً، في محل
معجنات، لكنه يجد في بعض النقود من قبل الزبائن الذي يوصل الطلبات لهم أمل لمساعدة
عائلته، بالمقابل يقدر أن هناك أكثر من 150 ألف طفل إضافي غير مسجلين في لبنان وفق
منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف” وعليه تؤكد المنظمة “أن
أغلب الأطفال السوريين في لبنان ظروفهم تترك تأثيراً كبيراً فيهم من الناحية النفسية
والاجتماعية”، وهو ما يترك صدمة عميقة جداً، وعليه وتقوم اليونيسيف بالشراكة مع
منظمات محلية بدراسة لتحديد عدد الأطفال اللاجئين الذين يعملون في لبنان وأسباب ذلك،
لتتمكن من تقديم المساعدة الملائمة لهم، إذ تؤكد المنظمة أن الأطفال الذين يعملون في
الشارع يتعرضون لأسوأ أنواع الاعتداءات الجسدية والجنسية.
اتهامات لبنانية
يبين
المحلل الاقتصادي”محمد حرب” أن بلده استقطبت اليد العاملة لبعض المهن التي
يرفض اللبنانيين العمل بها كالتنظيفات، ومحطات الوقود، وحمل البضائع والأعمال الشاقة والبناء، وهذا ولد نسبة بطالة مرتفعة،
ولكن منذ بدء الحرب في سوريا،
أنعكس ذلك بشكل مباشر على العمالة اللبنانية، ما زاد من نسبة البطالة لديهم، وعليه
يرى “حرب” أن العمال السوريون احتلوا وظائف كثير من اللبنانيين إضافة
لتقدمهم لوظائف اختصاصية براتب أقل من رواتبهم، وذلك دون خضوعهم لشروط قانون العمل
اللبناني، فضلا عن فتحهم محالا تجارية للخضار وللمواد الاستهلاكية اليومية في المناطق
السكنية الشعبية، بالمقابل يؤكد “قتيبة أمين”/ عامل سوري في لبنان، أن، “العمال
السوريون في لبنان غالبهم يعمل في مهن يرفض اللبنانيين العمل بها، ولا يعملون
ساعات طويلة، في حين لا مشكلة لدى العامل السوري في نوع العمل طالما يستطيع منه أن
يطعم عائلته التي أنهكتها الحرب”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث