الرئيسية / رأي / لعلهم يعقلون

لعلهم يعقلون

ثائر الزعزوع

عام 2005 وعقب انتشار أخبار الرسوم الكاركاتورية المسيئة
للنبي محمد والتي نشرتها صحيفة دانماركية، خرج مئات المتظاهرين في شوارع دمشق،
وهتفوا بأصوات عالية “إلا رسول الله” هاجموا سفارتي النروج والدنمارك،
وقاموا بإحراقهما، والاعتداء عليهما، وأرسل النظام من خلال تلك التظاهرة الغاضبة
رسالة للغرب بأنه قادر على إفلات سيطرته على “المتعصبين” ليحرقوا الأخضر
واليابس، وقتها تلقى الغرب الرسالة، وقرر التعامل بشكل مباشر مع بشار الأسد، وقد
تسربت بعدها أخبار عن تعاون أمني ومخابراتي بين النظام والمخابرات الأميركية
لمكافحة ما يسمى الإرهاب، وقد شاركت دمشق في عملية المعتقلات السرية الشهيرة التي
أدارتها بقذارة إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، وغفروا لبشار زلاته
وسيئاته، وقد كان، لمن لا يذكر، موضوعاً على قائمة الدول الإرهابية، صحيح أنه لم يفارق
تلك القائمة، لكنه ضمن على الأقل ألا تتم الإطاحة به، اليوم لا تثور ثائرة النظام
ضد ما فعلته صحيفة شارلي إيبدو، ولكنه يتفرج من بعيد ويقول مخاطباً الرأي العام
العالمي: ألم أقل لكم إن هذه الشعوب لا تستحق الحرية ويجب أن تبقى محكومة بالنار
والقوة، ولعلنا لن نتأخر حتى نشهد تنسيقاً مخابراتياً بين النظام وبين بعض أجهزة
المخابرات الغربية، ما يسمح بعودته مرة أخرى إلى الساحة الدولية التي أخرج منها
قبل ثلاث سنوات ونصف، وبهذا فإن النظام الذي صنف إرهابياً سوف يصبح متعاوناً في
مكافحة الإرهاب، ولتتحول الثورة التي قامت ضده إلى ثورة إرهابيين لا يريدون الحرية
بل يريدون إعادة سوريا مئات السنوات إلى الوراء إلى عصر الجواري، والسبايا، وقطع
الرؤوس، وقد بدأت فعلاً بعض القنوات الفضائية الغربية بعرض ما قالت إنه مشاهد
لمظاهرات خرجت في الكثير من الدول احتجاجاً على ما قامت به الجريدة الفرنسية، ومن
بين تلك المناطق بعض مناطق سوريا التي لا تخضع لسيطرة النظام، ومن حق الغاضبين أن
يغضبوا، لكن أن يحرقوا ويدمروا ويقتحموا، فهذه الصورة هي التي يريد النظام وغيره
من الأنظمة إبرازها، “فهذه الشعوب لا تحكم إلا بالقوة”، و”لا تنفع
معها الديمقراطية والحرية”.

وفي سياق الحديث عن الحرق والتدمير، بثت قناة حلب
الدولية مقطع فيديو قالت إنها حصلت عليه مما يسمى بـ “شعبة المعلومات”.
أظهر ذلك المقطع أحدهم وهو يقوم بسكب الوقود على ركامنا الورقي، ثم يقوم بإحراقها
وإحراقنا ويعلو صوت “الله أكبر” واضعاً حداً لكل ما سيأتي بعده من كلام،
طبعاً كانت “صدى الشام” و”سوريتنا”، و”عنب بلدي” و”تمدن”
تحترق، وكان حلم الصحافة الحرة يصارع النيران، تماماً كما صارعها على مدى سنوات
طويلة من حكم آل الأسد، ولكن هل يمكن أن تعود عقارب الساعة إلى الوراء وتعود عقلية
“شعبة المعلومات” و”فرع المعلومات” لتحكم صحافتنا، وتقضي على
حلمنا بالحرية؟ هل تستطيع الوجوه الملثمة التي توزع الاتهامات كيفما اتفق أن تردع
السوريين وتجبرهم على أن يحطموا أقلامهم، ويكتبوا ما يطلب منهم؟

في الحقيقة لن ألوم أولئك الملثمين، فهم ملثمون على كل
حال، وهم جبناء إلى الدرجة التي لا تجعلهم قادرين على كشف وجوههم، لكن أن يؤيد
“إعلاميون” محسوبون على الثورة ما فعله أولئك الملثمون فهذه هي الكارثة
التي تنبئ بالمزيد من الخراب.

كنا وما زلنا نقول إن إعلام الأسد جزء لا يتجزأ من آلة
القتل التي فتكت بالسوريين منذ انطلاقة الثورة وحتى يومنا هذا، وقد تحول بعض
الإعلاميين من مؤيدي قطع الرؤوس وحرق الصحف إلى أدوات قتل بدورهم، ولا يقلون عن
إعلاميي النظام من حيث تورطهم بهذه الجرائم المخيفة التي ترتكب كل يوم، وهم أنفسهم
الإعلاميون الذين لا يجدون أي مبرر لمطالبة خاطفي رزان وسميرة ومن معهما بإطلاق
سراحهم، ويرددون كلام زهران علوش حرفياً: النظام لديه آلاف المعتقلين، فلماذا
نطالب بهؤلاء؟.

منذ عامين تقريباً انتعشت الصحافة في المناطق التي لا
تقع تحت سيطرة النظام، وأحصينا في دراسة لإحدى المؤسسات وجود قرابة أربعين صحيفة
أو نشرة ما بين أسبوعية وشهرية، وكان العدد دائماً مرشحاً للزيادة بسبب
“جوع” الناس إلى الصحافة وهم الذين حرموا منها طيلة خمسين سنة، لكن
العدد الآن لا يكاد يتجاوز أصابع اليدين، فقد طورد الصحفيون بسبب من يسمون أنفسهم
بالجهاديين، واختطفت طواقم إعلامية كاملة، وأغلقت تلك الصحف أبوابها، والآن يريدون
خنق من تبقى. يعجبهم كثيراً بقاء البعث والثورة وتشرين وقناة سما والإخبارية
السورية وتلفزيون بشار وهو يبث سمومه، يعجبهم أن تبقى الصحافة مطية يمتطيها من
يشاء، يريدون بحرقهم صحفنا أن يغلقوا آخر باب تطل منه الحرية على السوريين بعيداً
عن أقنعتهم السوداء التي لا تنشر سوى البلاء… يبدو أن معركتنا طويلة جداً.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *