الرئيسية / سياسي / سياسة / حوارات / أربعة جراح أثخنت جسده.. حكاية من مآساة السوريين

أربعة جراح أثخنت جسده.. حكاية من مآساة السوريين

خالد أبو بكر 

يجلس الحاج “أبو حسين” حول مدفأته اللاهبة ولفافة التبغ في يده يحدث عن أولاده الشهداء والدمعة تذرف من عينيه. “أبو حسين” (61 سنة) ابن بلدة الرامي في جبل الزاوية، ريف إدلب، أبٌ لسبعة شُبان وثلاث بنات.
يفتَتِحُ الحاج كلامه بقوله: “الله سبحانه وتعالى يمّتحننا في أولادنا وأول امتحان كان مصطفى”، مصطفى (12 سنة) أولى جراح الحاجّ “أبو حسين” والذي توفّي قبل بدء الثورة بعام بسبب مرض ٍ عضال نال من جسده النحيل.
يتنهّد “أبو حسين” مستدركاً بالقول: “يا قلبي يا هاشم”، هاشم (27 عام) ثاني جراح الحاجّ “أبو حسين” وأول شهيد من أبنائه في الثورة. يتحدث والدموع تمر عبر تجاعيد وجهه لتبلّل لحيته البيضاء، “استشهد قبل عرسه بثلاثة أيام، ففي صباح يوم الجمعة 13/7/2012 اقتحمت حواجز الجيش الأسدي المحيطة بلدتنا، وكان أولادي كأمثالهم من الشباب عناصر في الجيش الحر. عندما علمنا بالاقتحام أخذ كلٌ منهم سلاحه وهرع لنصرة أهله والدفاع عن عرضه ضدّ هذا النظام الفاجر”.
 يتابع أبو حسين، “بقيت في المنزل ولم أغادره كما فعل الآخرون، ولكن زوجتي وبقية الأولاد غادروا مع الجيران إلى الجبال القريبة منا، بدأت أفكر بأحوالنا إذا استطاع الجيش دخول البلدة. وفكّرت بعائلتي التي نزحت إلى العراء، وأولادي الأربعة الذين لا أعرف من منهم سيتوّج هذا اليوم شهيداً”.
 “راح هاشم”، هي الكلمة الوحيدة التي نطقت بها الحاجة أم حسين مقاطعة كلام زوجها،  حيث تضمّ حفيدتها الرضيعة وتبكي بصمت مستمعة ما يرويه زوجها.
يكمل العجوز حديثه عن ولده فيقول: “بعد بدء المعركة ببضع ساعات، وأصوات الاشتباكات تكاد لا تتوقف والقذائف والمدافع تقصف كل مكان، يدخل المنزل حسين، رحمه الله، ويقول لي: (أمي هون ؟؟)، بعد أن سمعت سؤاله انتابني قلق كبير وتخدّر جسدي وأعصابي ولم أقوى حتى على الرد. قال لي: (هاشم استشهد)، وجلس قربي صامتاً يحدّق بالأرض. كانت صدمة كبيرة جعلتني أجهش بالبكاء والدموع تصبُّ من عينيَّ”.
استشهد “هاشم” بطلقة قناص اخترقت قلبه. فسقى بدمه الطاهر تراب بلدته ونال شرف الشهادة في سبيل الله مدافعاً عن أهله وكرامته. هاشم الذي أجل عرسه في بدية الثورة واشترى بمهر عروسه بارودتين.
بعد صمت عم لثواني وكأن أبو حسين وزوجته سرحا بخيالهما مع هاشم، عادت الزوجة للبكاء قائلة: “وَجعُ هاشم نخزةُ إبرة أمام وَجع محمود و حسين”.
.
“حسين” (29 سنة) هو الابن الأكبر كان يعمل على سيارةٍ كبيرة تنقل البضائع والمعدات لأحد معامل تصنيع الأسلحة المحلية للجيش الحر.”محمود” (18 سنة) هو الابن الأصغر وكان محبوباً لأبويه وإخوته، وجميعهم وصفوه بالهادئ.
يتّكئ “أبو حسين” على وسادته ليريح قدميه الكهلتين. ويبدأ بالحديث عن شهيديه قائلاً: 
“استشهد حسين وترك لنا هذه الطفلة”، مشيراً إلى حفيدته، فاطمة، والتي تيتّمت وهي ابنة أربعة أسابيع.
في مساء يوم الأربعاء 3/9/2014 كان الشقيقان عائدان من مدينة حلب. وقد كانت هذه هي الرحلة الأولى لـ “محمود” مع شقيقه الأكبر فهو لم يعهد السفر معه، إلا أنّ “حسين” طلب مرافقته حتى لا يضّجر على الطريق.
وعلى طريق “الكاستيلو”، وهما عائدين إلى ديارهم وأهلهم، كانت هناك مروحية للجيش الأسدي في أجواء المنطقة تقصفها بالبراميل المتفجرة. فسقط برميل ضخمٌ بالقرب من سيارتهما أدى إلى استشهاد “حسين” على الفور أما “محمود” فتم نقله بسيارة إسعاف إلى إحدى المشافي التركية في مدينة “غازي عينتاب”، ولكنه استشهد بعد وصوله المشفى بدقائق. 
يقول “أبو حسين” بصوت يتخلّله أنين البكاء: “منذ سنتين وحسين يسافر إلى حلب، ولم يصبه أي مكروه إلا عندما كان معه “محمود” في رحلته الأولى والأخيرة. حسبنا الله ونعم الوكيل”.
أربعةُ أبناء فقدتهم عائلة “أبو حسين”، أصبح الأبوان من بعدهم كضريرٍ في ظلمة أو أصمٍّ في لمّةَ. وكأنَّ كل واحد منهم بمثابة حاسّة من حواسّ أبويه. إنهم جروحٌ لم تلّتحم ولن تلّتحم كما وصفها “أبو حسين”، كما نوّه إلى أنها كانت خمسة لولا حفظ الله.
إنه إبراهيم (23 سنة) الابن الخامس، ولكنه مصاب. بعد أن استُهدف  ورفاقه بقذيفة دبابةٍ  من حاجز “الجازر”، أصابت المبنى الذي كانوا فيه. فأصيب بعضد يده اليمنى بشظية كبيرة سبَّبت بكسرها وقطعٍ في وتر مفصلها. يقول إبراهيم: “لا أستطيع رفعها للأعلى أبداً. فهي مثل الميّت”، قالها بدمٍ بارد وكأنه يئس منها. خصوصاً بعد فشل العملية التي أجراها ليده مؤخراً. فقد قام الأطباء بوضع قضبان معدنية في يده حتى يستطيع رفعها ولكن العملية باءت بالفشل ولم يستطع “إبراهيم” تحريك يده مطلقاً. فاضطر الأطباء إلى إزالة القضبان واستبدالها بالصفائح المعدنية لربّما تكون الفرج المنتظر لعجز “إبراهيم
أملٌ معلّق، و بعض التفائل تفاءلٌ، والكثير من الصبرٌ هذه هي حياة الحاجّ “أبو حسين” وعائلته بعد رحيلِ أربعةِ شموعٍ كانت تنيرُ الدروب أمامهم وتجعل لحياتهم طعماً أجمل، فهم مثال لآلاف العوائل السورية التي عانت الكثير من نظام الأسد المجرم وجيشه، وفقدت أشخاصاً كانوا أزهاراً يفوح عبق نسيمها حولهم طوال الوقت.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *