د.رفعت عامر
روّج الإعلام الغربي مع بداية القرن الواحد
والعشرين لفكرة مفادها، أن الإرهاب صفة خاصة لصيقة بالدين الإسلامي كنص وممارسة، متغاضياً عن الإرهاب الذي حدث في مناطق مختلفة من العالم في القرن الماضي، ومنها أوروبا نفسها، في ألمانيا على يد هتلر وإيطاليا على يد
موسوليني وفي الاتحاد السوفيتي على يد ستالين. فهي أنظمة نازية وفاشية واستبدادية
مارست الإرهاب على شعوبها وعلى الشعوب الأخرى، كما يمارس نظام الأسد الإرهاب على
شعبه في سوريا خاصة والإقليم عامة.
كلفت ظاهرة
الإرهاب والعنف المرافق لها الشعوب والدول كثيراً من الخسائر البشرية والمادية، ومع
ذلك لا نجد حتى هذا التاريخ تعريفاً محدداً يُوصف هذه الظاهرة في عمقها المجتمعي والأسباب
الحقيقية التي ولدتها من قبل المنظمات الدولية والأمم المتحدة، وتم الاكتفاء
بتوصيف الظاهر منها والاكتفاء بعلاج مظاهرها الحادة والطارئة في المدى المنظور باستخدام
الأساليب الأمنية والعسكرية فقط بهدف وقف أخطارها المباشرة والحد منها، دون التوجه
للوقاية منها وعلاجها جذرياً.
ولهذا التجاهل في إيجاد
التعريف والتوصيف الصحيح أسباب لها علاقة بمصالح الدول الفاعلة والمؤثرة في المسرح
الدولي، ولسنا هنا بصدد خوض النقاش في أسباب هذا التجاهل المقصود بل سنكتفي بنقاش أهم
العوامل المسببة للإرهاب والتي تشكل الجذر والمنشئ المولد له والتي أكدت عليها
أغلب الدراسات المحايدة والمستقلة وتتلخص في:
أولاً: غياب مشاريع تنمية
إنسانية في المجتمعات والدول التي توصف على أنها حاوية ومولدة للإرهاب، وهي عوامل
داخلية تتصل بالنظام الاقتصادي السياسي وإخفاق مشاريع التنمية فيها وغياب فرص
العمل والفقر والتهميش وتردي الوضع الصحي وسوء المنظومة التربوية والتعليمية
ومحدودية الخيارات وندرة الفرص وهيمنة الفساد والإفساد على كامل مؤسسات الدولة.
ثانياً: تتعلق بالبيئة
الاجتماعية المتخلفة التي تحتقر العمل المنتج، وتهيمن عليها عادات وتقاليد ذكورية تضطهد
المرأة وتتجاهل دورها في بناء الأسرة والمجتمع.
ثالثاً: تتعلق بالبيئة
الثقافية المحكومة بسلطة النص وتقديس الماضي، وغياب مطلق لحرية الفكر والتعبير.
رابعاً: بيئة سياسية تفتقر
إلى مؤسسات مدنية وحزبية حقيقية، ويهيمن عليها مجموعة صغيرة احتكرت المجال العام
وموارد المال دون أي تداول فعلي للسلطة.
خامساً: بيئة ثقافية خاوية من
كل الأنشطة العصرية، يسود فيها التقديس للماضي ورجالاته حتى قيل إن المجتمعات الإسلامية
“هي الوحيدة الباقية في العالم التي يحكمها الأموات وليس الأحياء”.
هذه العوامل وغيرها ضمن ما يسمى (البيئة
الداخلية) شكلت التربة الخصبة والأجواء الملائمة في ولادة الإرهاب الذي تستفيد منه
نظم الحكم الشمولية وتوظفه لتبرر سطوتها واستبدادها وترافق هذا مع: 1- غياب الدور
الفاعل للمثقف والأحزاب السياسية والقوى المجتمعية العصرية التي من المفترض أن
تقود شعوبها نحو بناء وترسيخ مفهوم وقيم الدولة الحديثة. 2- تجاهل المنظومة
الدولية للتجاوزات في مجال حقوق الإنسان التي تمارسها نظم الاستبداد، مما شكل
حافزاً للأخيرة في ارتكاب أبشع الجرائم بحق شعوبها، ضمن تحالف موضوعي للاستبداد
السياسي والديني كما هو حاصل بين نظام الأسد وداعش على الساحة السورية.
إن الإرهاب والعنف لا يتجلى
فقط بشكله المادي كما هو ظاهر في الحالة السورية من خلال ممارسات النظام وحلفائه من
جهة وداعش وأخواتها من جهة أخرى، بل يكون في غالبه مبطن ومكبوت يظهر من خلال السلوك
اللفظي ويتحول إلى عنف مادي عندما تتوفر له المحفزات الخارجية. وقد أكدت الوقائع
أن محاولات الإصلاح والتحديث، التي شهدها عالمنا العربي في تاريخه الحديث على أهميتها،
لم تصل إلى عمق المجتمع والبنية الذهنية للأفراد، بل كانت زياً ولباساً حديثاً على
جسم قديم ومهترئ. لذلك سقطت هذه المحاولات مع أول تحدٍ جدي مع الخارج، وعليه فنحن
بحاجة إلى ثقافة عصرية تشكل قطيعة نقدية مع الماضي وتضع جميع الأفكار الموروثة
أمام مبضع النقد، لا تقديس فيها للنص ولا خطوط حمراء تمنع حرية الفكر والتعبير
والإبداع، وتضع الإنسان غايتها وهدفها الأول والأخير والأداة، بنفس الوقت، لكل
مشاريع التنمية. وعندها فقط لن يظهر الإرهاب في مجتمعاتنا، ولن يجازف الاستعمار في
غزونا والتآمر علينا، وإن ظهر فستكون مجتمعاتنا جاهزة بكل قواها لمحاربته، وبدون
ذلك سنبقى عرضة للتشهير ولصق كل التهم فينا وفي
ديننا.
نحن فعلاً بحاجة إلى استراتيجية
شاملة للتنمية الإنسانية، تبدأ بالسياسية التي كانت دوماً معوقاً ومانعاً في
العالم العربي للتغيير الشامل، وتشمل كافة مناحي حياة المجتمع، الاقتصادية
والاجتماعية والثقافية، والتعليمية، والمنظومة الدينية، وعندها ستكون التنمية صمام
الأمان لرفض الفكر الأصولي التكفيري الذي أنتج وينتج العنف والإرهاب، وعندها فقط
لن يستطيع أحد في العالم توجيه كل التهم للعرب والمسلمين وحتى تلك التي هي ليس من
صنعنا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث