ميسون شقير /
ثقافة الهروب هي ثقافة كاملة تنتجها حالات العجز المطلق. وليس الهروب كثقافة انعكاسية هو الهروب المكاني أو الهروب الجغرافي فقط، وإنما هو أيضا الهروب على صعيد كل المنتجات الإبداعية، من مواجهة الواقع القاتل، ومن الجرأة للدخول إلى أعماق حالات تكون فيها الدراما التي تحصل بشكل حقيقي على الأرض أقوى وأعمق من أية نصوص درامية، ويحول القهر واليأس كلاً من المبدع والمتلقي إلى عاجزين ولا مباليين. وهذا بشكل خاص، ينطبق على الإعلام الذي ما يزال يحمي الديكتاتوريات المهلهلة، ومازال يلتف على كل الوقائع بالتهميش وبالذهاب إلى قصص صارت على هوامش الحياة لمن يعيش هذه المأساة بكل تفاصيلها.
خواء هائل ينضح من معظم الأعمال الدرامية التلفزيونية في رمضان لهذه السنة. خواء بات يسيطر على كل شيء؛ القصة، الأحداث، طريقة المعالجة، السخف والتسطيح والاستخفاف بكل عقل سيرى ويسمع، الركاكة في الإخراج وفي الموسيقى التصويرية، البلادة بالسير الدرامي للعمل وكسر ساق الرشاقة والتشويق، والأهم هو ثقافة الهروب التي تسيطر على معظم هذه الأعمال، والتي جعلت من العودة إلى مراحل تاريخية وبشكل مضحك يجعل كل العمل مجرد حالة من اجترار مفاهيم قتلتها هذه السنوات الخمس، وقتلها الخوف والرعب الذي جعل الموت والتشريد والفقد والاعتقال والتعذيب هو البطل الحقيقي الوحيد الذي يمثل مسلسله بكل نجاح، والذي يختار شعبا كاملا ليكون مجرد كومبارس له. ثقافة الهروب هذه جعلت بعض الأعمال تتناول شخصيات مريضة، وتلبسها حالات من التعقيد لم يعد أبدا يتحملها الإنسان السوري المتلقي، وجعلت حتى الحوامل العاطفية لهذه الأعمال هشة وفارغة، مثل كل الشعارات التي يطلقها إعلام السلطة من فوز وانتصار كأنه يعيش في كوكب أخر.
معظم الممثلين والمخرجين وكتاب السيناريو الذين انتموا للمظلوم منذ البداية وعرّوا وجه الدكتاتورية، والذين أيضا عرّوا الشعارات السوداء التي باتت تأكل ألوان هذه الثورة وتأكل قلوب الآلاف الذين تعذبوا لأجلها، معظم هؤلاء المثقفين هم الآن إما معتقلون أو مهجرون في دول العالم، بعد أن كانوا مشاريع معتقلين أو موتى. وهناك قصد عالمي كامل بتهميشهم، وبعدم تقديم الدعم المادي والمعنوي لهم لإنتاج أعمال تستحقها هذه الفترة القاسية والغنية بقصص ومواد يمكن لها أن تكفي كل المسلسلات الدرامية في العالم. أو أنهم ما زالوا في سوريا ولكنهم مكبلون وغير قادرين على أي إنتاج، وخاصة بعدما حاولوا وحوربوا من كل الأقنية العربية التي لا تختلف عن تلفزيون النظام، مما يترك المساحة معبأة فقط بأعمال تنتجها الفئة المدافعة عن السلطة، والتي تعيد إنتاج القمع ولكن بصور مختلفة، وتهرب دائما من إنتاج أعمال تحاكي الأسئلة الحقيقية التي تطرحها صور مدن كاملة مهدمة، كأن الحرب العالمية الثانية لم تزل فيها، وتهرب من سؤال عن بلاد صار نصف سكانها مشردين خارجها، لتعيش نكبة وتغريبة لم يعشها حتى الشعب الفلسطيني.
صورة أخرى عن كل شيء هو رمضان هذه السنة، صورة عن الصور المزيفة التي صارت تطفو على كل شيء، صور عن مجتمع دخل الخراب إلى كل ما فيه ليحولنا كلنا إلى أبنية تحارب السقوط، تحاربه بتلك الثقوب التي على الشرفات.
ولكن ما يلفت النظر أن الأعمال الروائية والقصصية والشعرية والمسرحية حتى، والتي أصبح كاتبها خارج السجن السوري الأمني المخابراتي، هي أعمال مدهشة وقادرة على الإضاءة الصادقة على كل الأعماق، وهي ثقافة غيرت حتى في حالة المثقف العربي بشكل عام وغيرت بنوعية الكتب التي عاد الإنسان العربي على قراءتها بعد زمن طويل من تركها. لكن إنتاج الأعمال التلفزيونية لا يحتاج فقط إلى نص جيد، وإنما يحتاج إلى ميزانية قادرة على تقديم هذا النص بما يستحق من كادر فني وإخراج وموسيقى، وبالتالي فهو يحتاج لمؤسسات كاملة لتدعمه. وهذا ما لم يحصل أبدا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث