عمر يوسف سليمان
اتصل بي صديقي ذلك الصباح
-عمر، جدِّي توفى.
-وفاة طبيعية ولا إصابة؟
-إصابة بباب السباع
-بسيطة، البقية بحياتك
منذ آذار 2011، يحضر السؤال عن
سبب الموت حين يأتي خبر الوفاة، فالموت لم يعد كما كان؛ ذا شكل واحد.
كانت طبيعية، وفي
ذات اليوم حدثت وفاة أخرى غير طبيعية. في اليوم الأول من عام 2012، دخلتُ إلى المشفى الميداني في حي البياضة.
العشرات يدخلون ويخرجون مهرولين، اضطراب يملأ الشارع، الضوء شديد البياض،
و”محمود” نائم على السرير. جسده سليم، فلماذا كل هذا البكاء؟ امرأة
بجانبه تلطم وجهها وتستجديه ليعود. دققت في الجسد، ثمة ثقب صغير في الصدر، فكرت:
ألا يمكن ترميم هذا الثقب؟ وضع قطعة قطن أو قليل من الجبس مثلاً؛ بحيث يصحو
“محمود” وتتوقف أمه عن البكاء؟ الجسد عارٍ، والبرد شديد، أحد القناصين
من الحواجز الشعبية رماه أثناء تجوله في الحَي. أصحاب تلك الحواجز كانوا جيران أهل
البياضة يوماً ما، وكانت بينهم علاقات وصداقات وأعمال، يزورون بعضهم ويأكلون معاً.
بل إن الشبيح الذي اغتال “محمود” كان صديقاً للعائلة كما حدثني أحد
أعمامه فيما بعد.
الحادثة لم تكن جديدة، فكل
متتبعٍ يعرف أن قتل الرموز في حمص جزءٌ من استراتيجية النظام. والرموز هنا أولئك
الأشخاص المؤثرون الذين امتلكوا كاريزما خاصة أحبها الناس وتعلقوا بها.
“محمود” بشجاعته المقترنة بالبراءة كان من رموز الحي. سبق أن اغتال
النظام “هادي الجندي” صيف عام 2011 برصاصة قناصة في “باب
السباع”، عندها أصاب الناسَ انكسارُ مَن فقد كل شيء، “هادي” لم يكن
ينظم المظاهرات في قلب حمص فقط، بل كان يجمع أبناء المدينة على قلب واحد. كان
شبيهاً بالمخلِّص، لذلك تحولت جنازته إلى مظاهرة شعبية كبيرة. ذات الأمر حدث مع
الطبيب الشاب “ماهر نقرور”، الذي قُنص أمام بيته في حي الإنشاءات، وقد
كان أول من صرخ بكلمة “الله أكبر” أمام جامع خالد بن الوليد في
18/03/2011. “ماهر” كان مسيحياً، وحين تم تشييعه في حي
“الحميدية”، اندمجت أعداد كبيرة في الجنازة، اجتازت الحارات والأسواق
الأثرية، لم تكن تسير في طريق واضح، وكأن المشيعين أرادوها جنازة أبدية، أو أنه لم
تكن لديهم رغبة في إنزال “ماهر” عن الأكتاف، فقد كانوا يحملونه كـما لو
أنه “هتيف” في مظاهرة.
لقد تعامل النظام بحقد
وعدوانية شديدين مع هذه الرموز، فمَن لم يصفِّه اعتقله وعذبه حتى شوه شخصيته. أما
الذين غادروا سوريا فقد كان المنفى كفيلاً بتجميد رمزيتهم. كما أن النظام عمل على تحطيمهم
اجتماعياً بتشويه سمعتهم؛ فهم أكثر من آذاه وأفشل معادلته، هم ليسوا إسلاميين وليس
لديهم أجندة سياسية، لذلك فإن تصفيتهم تعني بالتدريج تصفية مصطلحات
“النضال” و”الوطن” من أذهان الناس، تحطيم إرادتهم وجعل نفوسهم
خالية إلا من الانتقام. هكذا اغتال النظام الزمن السلمي من الثورة. بل حتى بعد
انتشار السلاح واشتداد الحرب، ظلت تصفية الرموز الذين يكسرون القاعدة منهجاً
متبعاً لدى النظام ووجهه الآخر من الإسلاميين، كما حدث مع الأب “فرانسيس
فاندرلخت” في حمص القديمة.
طوال أشهر، بقي
“محمود” يحرس تلك الحارة الصغيرة ليلاً، وينام نهاراً. كلما نزلتُ إلى
الطابق الأرضي من البناء ألمح عينيه وراء الباب، كانتا على الدوام شبيهتين بعينَي
نسر يتطلع إلى ما وراء العاصفة. كان يملك ستة عشر عاماً ومصباحاً ليزرياً يقلبه
بين يديه حيثما ذهب، إضافة إلى كثير من الأخوة والأعمام والأخوال. ها هو أخوه يضرب
مغلاق محل مجاور بقبضتيه ويصرخ باسمه، ابن عمه يسند رأسه إلى الجدار منهاراً،
وآخرون أصيبوا بحالة من الذهان، فلا هم يبكون ولا هم يصرخون. شاهدت “محمود”
قبل ليلتين، كان بجانب المدفأة مستلقياً كما هو الآن، يغمض عينيه في فترة استراحةٍ
قبل مجيء دوره في الحراسة، كان أولاد عمومته ينادونه متهمين إياه بالكسل وبأنه
يدعي النوم كي يتخلف عن عمله، ها هم ينادونه الآن أيضاً، لكن بصوت أكثر قوة.
الكاميرا في يدي مصوبة
باتجاه الثقب، بدا شبيهاً بثقب أسود سيبتلع المجرَّة، ثقب في ضمير الكون. عمه الذي
كان كهربائياً وتعلم الإسعافات الأولية خلال الثورة ليصبح “طبيب الحارة”
قام بإحضار أكياس بلاستيكية ولف الجثة. أخوته أخرجوا “أم محمود”، وتعاون
الجميع على نقله إلى الغرفة الأخرى من المشفى، والتي كانت مخصصة للراحلين، تمهيداً
لتشييعه غداً. هي غرفة ملاصقة للغرفة التي ننام بها في الشقة المجاورة. طوال الليل
بقيت أستشعر الشاب النائم إلى الأبد، جسده هناك، لكن أين كان هو بالضبط؟
الليلة، بعد ثلاث سنوات لم يتغير شيء، “محمود”
نائم في غرفة مجاورة، كما كان في العيادة الميدانية، وكما كان أثناء انتظار حراسته. هنا في فرنسا،
ثمة غرف كثيرة مجاورة، في كل منها ينام “محمود”، حوله كل تلك الوجوه
المضيئة من الزمن المُغتال، زمن الثورة الجميل، وجوه تستيقظ وتكسر الجدار، ثم تدخل
ببطء كي تدعوني إلى السهرة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث