ثائر الزعزوع/
خلال الأسابيع الماضية، شهدنا مجموعة متلاحقة من الاستقالات والإقالات والاعتزالات، والسبب فيها دائماً الفشل في تحقيق الهدف المنشود. فلقد أعلن الاتحاد البرازيلي لكرة القدم عن إقالة مدرب المنتخب “كارلوس دونجا” من مهمته، بعد فشل “السيلساو” في اجتياز الدور الأول من كوبا أميركا المئوية، التي أقيمت في الولايات المتحدة الأميركية. وعلى الرغم من أن دونجا يعتبر واحداً من أبطال البرازيل الذين حملوا كأس العالم عام 1994، إلا أن ذلك لم يمنع الجمهور البرازيلي من التعبير عن غضبه من الأداء الهزيل للمنتخب، ما دفع الاتحاد لإقالة المدرب على الفور. وفي نهاية البطولة، أعلن أفضل لاعب في العالم، الأرجنتيني ليونيل ميسي، قائد المنتخب الأرجنتيني، عن نيته اعتزال اللعب الدولي مع منتخب بلاده، وذلك بسبب إخفاقه في الفوز بلقب البطولة وخسارة “الألباسيلستي” بركلات الترجيح، وللعام الثاني على التوالي، أمام منتخب تشيلي. وعلى الرغم من أن ميسي ما يزال في التاسعة والعشرين من عمره، وما يزال في قمة عطائه، إلا أن ذلك لم يمنعه من التفكير في الاعتزال لأنه لم يحقق البطولة لبلاده التي يرتدي ألوانها. علماً أن منتخب الأرجنتين يصنف الأفضل عالمياً، وقد وصف زملاء ميسي في منتخب راقصي التانغو، حالته عقب المباراة، بأنها كانت مأساوية، وأنه كان يبكي مثل طفل صغير..
ومن كوبا أميركا 2016 إلى يورو 2016، والتي تستضيفها فرنسا، والتي شهدت بدورها استقالة مدرب المنتخب الإنجليزي روي هدسون في أعقاب هزيمة المنتخب الإنكليزي العريق أمام منتخب ايسلندا حديث العهد بكرة القدم. وقد كتبت الصحف البريطانية غداة المباراة التي انتهت بنتيجة 2-1 لصالح ايسلندا، إن هذه الهزيمة مذلة. وقد اعتذر هدسون من الشعب الإنكليزي على هذه النتيجة التي أخرجت المنتخب من الدور الثاني لليورو، وأعادته بخفي حنين إلى عاصمة الضباب. وفي عاصمة الضباب أيضاً، شهدنا اعتزالاً من نوع مختلف، فقد أعلن رئيس الوزراء البريطاني “ديفيد كاميرون” استقالته من منصبه في أعقاب الاستفتاء على بقاء أو خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وقد صوت البريطانيون بنسبة 52% على الخروج من الاتحاد، علماً أن كاميرون كان يدعم فكرة البقاء. وقد وقف في أعقاب ظهور نتائج الاستفتاء، ليشكر البريطانيين على خيارهم، ويتمنى أن يكون خياراً صائباً، وليعلن استقالته من منصبه ليفسح المجال أمام من يدعمون الخروج كي يسيروا ببريطانيا في الطريق الصحيح. ولم يقل كاميرون، الذي امتلك كرامة فارس وهو يعلن استقالته، إن الذين صوتوا على الخروج مخطئون أو أنهم متآمرون، بل إنه تعهد خلال ما تبقى له من أيام في منصبه، بأن يعمل جهده لخدمة مصلحة بلده..
إعلان الاستقالة أو الاعتزال في عالم السياسة والرياضة والفن في الغرب أمر شائع وبدرجة كبيرة، فما إن يفشل الشخص في تحقيق المطلوب منه حتى يغادر منصبه أو مركزه ويفسح المجال لمن هم أفضل منه كي يتولوا المسؤولية، لعلهم ينجحون فيما فشل هو فيه. كثيراً ما سمعنا عن وزير غربي استقال بسبب ارتفاع أسعار بعض السلع الاستهلاكية، أو حادثة سير أودت بحياة عدد من الأشخاص، أو تردي مستوى التعليم، أو الصحة.
لكن في عالمنا العربي يبدو الأمر أشبه بالمعجزة إن حدث، وهو لم يحدث ولن يحدث كما أعتقد في القريب العاجل. ولعل الذاكرة ما زالت تحتفظ بذكرى جمال عبد الناصر وهو يعلن تنحيه عن السلطة بعد هزيمة الخامس من حزيران عام 1967، كحدث فريد وحيد في حياتنا السياسية العربية مثلاً، على الرغم من أنه لم يفعلها فقد “ضغطت” عليه الجماهير ليعود عن قراره، فعاد عن قراره وأكمل مشواره حتى وافته منيته وغادر الحياة. بهذا يبدو الموضوع منهجاً راسخاً في حياتنا وفي عقليتنا. فبينما سعى الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، لخفض سنوات الرئاسة من سبع إلى أربع سنوات، يسعى الحكام والمسؤولون العرب جاهدين ليغنموا بأكثر سنوات ممكنة، مع أنهم في المجمل يحققون فشلاً ذريعاً في كل شيء، ويسلمون الدولة ركاماً، ولا يزولون إلا بفعل الموت أو الثورة، كما حدث مع زين العابدين بن علي وحسني مبارك اللذين تنحيا بعد ثورتين عارمتين في تونس ومصر. بينما في ليبيا، قاتل القذافي مدافعاً عن كرسيه حتى قتل ومثّل قاتلوه بجثته. وأما علي عبد الله صالح في اليمن، فقد تنحى مجبراً بعد أن تفحم وتحول إلى كتلة محترقة، ثم عاد ليشترك مع ميلشيات طائفية مدعومة من قبل إيران في تدمير ما يفترض أنها بلده، وقد تحولت اليمن إلى دمار هائل يلزمها عقود كي تستعيد عافيتها.
فهل أولئك الغربيون واللاتينيون لديهم كرامة وأخلاق ونحن لا؟
بالمناسبة أنا لم أذكر ابن حافظ أسد لأنه أقل قيمة من أن أذكره فهو مجرد قائد ميلشيا طائفية يعمل بتوجيهات روسية إيرانية، ولا يمتلك لا قرار استقالة ولا اعتزال. والآخرون ليسوا أفضل منه حالاً، لكني ذكرتهم كأمثلة ليس إلا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث