شهدت السنوات الأخيرة العديد من الفعاليات الثقافية التي قام بها السوريون الذين غربتهم الحرب عن بلدهم وجعلتهم يتشردون بمنافيهم القسرية على طول الخارطة الأوربية، السوريون القادمون من أقدم حضارات الأرض، والذين يحملون في أرواحهم تفاصيل هذه الحضارة من موروث إبداعي فني يتضمن الكتابة والرسم والعزف والغناء. ضمن هذه الفعاليات، قامت مؤخرا فرقة سورية مكنونة من أربعة عازفين سوريين موزعين حاليا في أكثر من بلد أوربي، بتقديم أمسية موسيقية في قاعة الموسيقى بمدينة يخييت البلجيكية، التي عانت الحرب يوما، وعرفت حجم الدمار الذي تخلفه في الروح.
بدأت فكرة العرض من خلال شاب بلجيكي يدعى “جون فاندال”، متطوع في منظمة “سينت باف آبي”. وقد قال في لقاء صحفي، بأنه “لا يعتقد أن الموسيقى تساعد في إيصال صورة ما يحدث هناك، لكنها ضرورية جدا لبيان صورة الضحايا. هؤلاء ضحية للحرب الغادرة، يحاولون التعبير عن أنفسهم من خلال الموسيقى، الموسيقى التي تصل إلى الروح مباشرة، هي الصورة التي يحملها العازفون اليوم عن سوريا. الفكرة هنا تكمن في التلقي، صورة المتلقي المنفتح على الأشكال المختلفة للموسيقى، فكل شيء مختلف شيء جديد”.
تولدت فكرة الأمسية عند لقاء جون فاندال مع عازف العود السوري طارق السيد يحيى، من حلب، وسماعه لجمال وإتقان عزفه، مما جعله يطلب منه أولا تقديم عرض موسيقي له وحده. لكن طارق اقترح تقديم عرض موسيقي يشمل أعضاء الفرقة التي كانت تقدم عروضها الموسيقية في سورية قبل بداية الثورة في سوريا.
هكذا تمت دعوة العازفين السورين الثلاثة وهم خالد الحافظ مغن وضارب على الدف، تمام رمضان عازف على الناي، والعازف يوسف ناصيف، ليحيوا مع العازف طارق ليلة خاصة للموسيقى السورية في بلجيكا، بحضور أكثر من خمس مائة شخص بلجيكي وعربي، استمعوا لمدة ساعة ونص الساعة، بكل إصغاء، وكل شغف لسماع “موسيقى عمرها أكثر من ألف عام” كما جاء في إعلان الأمسية.
وقد تنوع ما قدمه العازفون السوريون والذي يشمل بمجمله ما يسمى بموسيقى الوجد، بين مقطوعات لموشحات أندلسية متعددة الألحان والمقامات وبين مقطوعات لقدود حلبية ضمن تمازج رائع بين تقاسيم كل من العود والقانون. وذلك للتعريف بالإرث الموسيقي الهام جدا الذي تمتلكه حلب، أقدم مدن الأرض.
وقد تنوعت أيضا القصائد المغناة التي قدمت، لتجمع بين أهم قصائد الشعر الصوفي للحلاج ولابن عربي، وبين قصائد شعر العشق الأندلسي لابن زيدون وابن هانئ الأندلسي، وبين قصائد محكية باللهجة العامية، وخاصة تلك التي غنت بموسيقى القدود الحلبية والتي تحاكي حلب المدينة الساحرة، وحجم الوجع والقهر والدمار الذي تركته طائرات النظام وروسيا فيها.
وقد تفاعل الجمهور الحاضر بالرغم مع عدم فهمه للغة القصائد، لكنه كما قال أحد الحاضرين للصحافة البلجيكية بأنه قد “شعر من خلال هذه الموسيقى بالوجد الذي فيها. كما شعر بحجم الحزن الذي يسكن أصوات السوريين وموسيقاهم التي تكسر القلب”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث