ميسون شقير/
لم أزرك يا حلب لكنني الآن لا أستطيع الرحيل عنك، لم أزرك يا حلب فاغفري لي انشغالي عن أنوثتك الطاغية، ورحيلي المر عن هذي البلاد قبل أن أراك.
لم أزرك يا حلب، لكن قلعتك لم تزل تسكنني منذ ثلاثة آلاف عام، ولم أزل أنا ابنة أقدم مدينة في الأرض أعيش فيك منذ خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، لم أزل أعيش في أول حضارة كاملة سكنتك، فها هم يعثرون علي في المكتشفات الأثرية في “تل السودا” ويجدوني في مملكة أرمان التي سكنتك منذ ثلاثة ألاف عام قبل الميلاد. ثم يكتشفون أنني أتنقل بين كل الحضارات التي جاءتك، فأنا عشتك حين كنت في أجمل حللك في مملكة “يمحاض الأمورية”، وصرت ملكة فيك، ثم عشتك مع الآراميين والآشوريين والرومانيين والبيزنطيين، وعاصرتك أيام الحكم الإسلامي، ثم انتعشت معك ومثلك حين صرت عاصمة الدولة العباسية، وسكنت فيك بين قصائد “المتنبي” و”أبي الفراس الحمداني”، وفي كتابات “أبي بكر الرازي والفارابي وابن سينا”، ثم صرت أغنية في كتاب “أبي فرج الأصفهاني”. وقاتلت يا حلب مثلك الصليبين. ومثلك يا حلب، احترق قلبي حين كنت تعيشين في ظل الحكم الأيوبي، ودخلك المغول بقيادة هولاكو وحاولوا حرق وتهديم أسوارك، وحين عادوا وجاءك “تيمورلنك” وذبح أبناءك. لكني مثلك يا حلب انتصرت حين عدت وطردتهم جميعا. ومعك يا حلب قاتلت الفرنسيين بثورة هنانو، ومثلك خسرت أوردتي في معاهدة “لوزان” حين خسرت لواء اسكندرون، وحين خسرت ميناءك على المتوسط، وخسرت تجارتك. لكني أيضا يا حلب القلب، انتصرت على مشروع تقسيم سوريا، وعدت فيك سورية كاملة تشارك في أول وأجمل أيام الاستقلال، وتبني برجالاتها سورية الحلم الجديد لأقيم في قصائد “عمر أبي ريشة” ولأصرخ:
شرف الوثبة أن ترضي العلا غلب الواثب أم لم يغلب
لم أزرك يا حلب لكني أعرف أبوابك التسعة، وأتنقل بين باب “النيرب” إلى باب “إنطاكية”، وأصل “باب النصر”. وأحفظ حاراتك الأولى بطعم رطوبتها وسحر التاريخ بين الزوايا، وأعرف يا حلب حجارة سورك حجرا حجرا، وقد اشتريت عمري من أسواقك فمن “سوق خان الحرير” قصصت ثوب طفولتي، ومن سوق “الياسمين” اشتريت أول عطر للأنوثة في دمي، ومن “خان الصابون” اشتريت صابون الغار وغسلت دمي من الكره، وبسوق “الصياغ” التقيت بك يا ذهب الأماكن وجوهرة الزمن.
ولم أزل شجرة نارنج في بيوتك القديمة أنمو بين “بيت وكيل” و”بيت غزالة” وأثمر في “بيت دلال””، ولم أزل أصلي الجمعة في “الجامع الأموي” والأحد في “كنسية العذراء”.
لم أزرك يا حلب، لكن الموسيقى الحلبية الأصيلة الطالعة منك كانت عطر الحياة في روحي، وكانت موشحاتك تعزفني بتناغم وألفة وتجعل خلاياي تغافل حزني الهرم وترقص. وكانت قدودك القادمة من قد الجملة الموسيقية الفارع الجمال، تشد أوتار قلبي بكثير من المتانة والجزالة، تشدها بإيقاع متكرر رصين متوازن عميق، تشدها كما يدوزن العود بأصابع “سيد درويش” في حلب، وتنقر على كف المدى مثلما ينقر “صباح فخري” أذن الحياة. وكانت تحرك هذا الهواء حول رئتي وتعلمني كيف أتنفس.
لم أزرك يا حلب، لكنك كنت دائما موقعا للتراث العالمي في قلبي قبل أن يصنفك اليونسكو عام 1986.
وكنت دائما عاصمة الثقافة في ذاكرتي، قبل أن تكون عاصمة الثقافة الإسلامية عام 2006.
لم أزرك يا سيدة المدائن، لكن صوت الطلاب في جامعتك حين خرجوا بأول مظاهرة في عام 2011، كان صوتي الحقيقي الذي لم أسمعه منذ ولدت. والرصاصة التي اخترقت صدر أول شهيد فيك، قد اخترقت صدري.
لم أزرك يا حلب، لكني زرتك أكثر مما ينبغي، ولي أسابيع كاملة فيك أكمل موتي، وأكمل فيك قصيدتي التي استشهدت تحت ركام المعنى. الطائرات تقلع من كل اتجاهات الله، ودمي يضيع جهة القلب.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث