الرئيسية / رأي / رسالة روسية من جبل التركمان

رسالة روسية من جبل التركمان

عبد القادر عبد اللي /

أجرت جريدة يني شفق الموالية للحكومة التركية، حواراً مع الوسيط الروسي طلعت أنوروفيتش تشتين، الذي لعب دوراً بحل الأزمة بين حكومتي بلاده وتركيا. وأنوروفيتش هو روسي مقرب من الكرملين من أصول عرقية تركية، ويجيد اللغة التركية، ويشغل منصب نائب رئيس العلاقات الخارجية في أكاديمية الأمن القومي الروسية. وفي هذا الحوار قدم بعض المعلومات التي تتعدى كونها رأي، وهي تفسر بعضاً مما يجري على الساحة العسكرية في الساحل، وتعطي رؤوس خيوط لما يمكن أن يجري في المستقبل.

الملفت أن أنوروفيش قال إن بلاده ليس لديها أية مشكلة مع التركمان السوريين، وأن قوات بلاده الجوية قامت بعملياتها العسكرية (يقصد في جبل التركمان) اعتماداً على خرائط وإحداثيات أعطتها إياها القوات الحكومية السورية.

بكل بساطة تتنصل الدولة التي تعتبر نفسها عظمى على لسان أحد خبرائها الذي لعب دوراً دبلوماسياً يفوق دور السفير، مما فعلته من تدمير هائل في قرى شمال اللاذقية، وتلقي اللوم على من تسميه “ذيل الكلب”، وتقول إن “قواتها الجوية والفضائية” لا تعرف أن القرى التي محتها عن الخارطة هناك هي قرى تركمانية، ولو عرفت هذا لما فعلت.

جاء هذا التصريح بالتوازي مع أخبار التقدم السريع الذي تحققه الفصائل المقاتلة ضد التحالف الطائفي الدولي المسمى “الجيش العربي السوري”، على جبهات جبلي التركمان والأكراد شمال اللاذقية. ويمكن أن يوحي كلام أنوروفيتش بأن غياب الفاعلية الكثيفة للطيران الروسي ضد الفصائل التي تقاتل في تلك المنطقة هو استدراك لخطأ أو فخ أوقع النظام السوري القوات الجوية والفضائية الروسية فيه.

هناك رسالة أخرى قالها الوسيط الروسي، وهي أنه ليس لروسيا مصلحة بدعم مجموعة أو جهة تهدد الأمن القومي التركي. وكان كلامه هذا رداً على سؤال حول العلاقة بين بلاده وحزب الاتحاد الديمقراطي “PYD”.
ضعيفة، فتأثيرهم على هذا التنظيم يكاد يكون معدوماً أو معنوياً، وبالتالي لا يمكن للأتراك أن يعولوا كثيراً على موقف روسي على هذا الصعيد.

بمعنى آخر، إن رسائل أنوروفيتش دبلوماسية في غالبيتها، وغير قابلة للتحقيق على أرض الواقع، ولكن أهمها هو تراجع الروس عن ضرب القرى التركمانية التي تعتبرها تركيا حليفها الأقرب في سورية، أو غض طرفها عن استرجاع ما كان الروس قد أخذوه عسكرياً لحساب النظام من جبل التركمان والأكراد.

هل سيُسمح لتلك القوات بالتقدم أبعد من الحدود التي كانت عليها قبل التدخل الروسي؟ مازال الوقت باكراً لمعرفة هذا، ولكنه غير مستبعد، ولا بد من وضعه بالحسبان…

هل حققت تركيا نجاحاً على هذا الصعيد؟ بمعنى آخر هل انتزعت من روسيا موقفاً ما من هذا الحزب؟ من الصعب معرفة الحقيقة، فحزب الاتحاد الديمقراطي يحظى بدعم روسي، وله مكتب في موسكو. من جهة أخرى فإن الحزب الأم “حزب العمال الكردستاني” الذي يعتبر “بروتكولياً” منظمة إرهابية بالنسبة إلى الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة، لا تعتبره روسيا منظمة إرهابية، وليس هناك ما يمنع روسيا قانونياً من التعاون مع هذا الحزب، ودعمه، وهناك تعاون فعلي بينهما، لا ينكره الطرفان. فكيف يمكن أن يتحقق أي تقدم على هذا الصعيد؟ يبدو هذا شبه مستحيل.

ليس جديداً القول إن هناك صفقة بين الروس والأتراك، وهناك عشرات السيناريوهات المنشورة حول هذه الصفقة، ولم يبقَ محللٌ أو محرمٌ سياسي إلا وكتب سيناريوهات يحلم بتحقيقها، ولكن الصفقات من هذا النوع تبقى سرية، ولا تظهر نتائجها على الأرض إلا مع الزمن.

بعد لقاء وزيري الخارجية الروسي والتركي في مدينة سوتشي على هامش اجتماع وزراء خارجية منظمة التعاون الاقتصادي لدول البحر الأسود، أُعلن عن اتفاق البلدين على التعاون في مجال مكافحة الإرهاب في سورية، وتحديد المنظمات الإرهابية.

كلام عريض وفضفاض ويصعب تحديده، ولكن يمكن كتابة سيناريو آخر جديد اعتماداً على هذا الكلام.

تركيا وروسيا تعتبران تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” و”جبهة النصرة” منظمتين إرهابيتين. وليس ثمة خلاف في هذا الأمر، ولكن جبهة النصرة عبر دخولها في جيش الفتح تجعل من استهدافها كتنظيم أمراً شبه مستحيل، والعمليات التي تستهدف بعض قادتها أو اجتماعاتهم قائمة، وينفذها التحالف الدولي بين فترة وأخرى، وفقدت النصرة العديد من قياديها في تلك العمليات، هل يمكن تجاوز هذه الأمور حالياً؟ وما هي الطرق لتجاوز هذه الأمور؟ هذه من الصعب تحديدها حالياً.

بقي هناك الإصرار الروسي على اعتبار منظمة “أحرار الشام” منظمة إرهابية، وهي ليست كذلك بالنسبة إلى تركيا، وحتى إن الأخبار عموماً تقول إن تركيا تقدم الدعم أو تسهل وصوله إلى هذه المجموعة.

لعل هناك تشابه بين موقف تركيا من أحرار الشام، وموقف روسيا من حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني، فهل يمكن أن توضع هاتان الورقتان على مائدة المفاوضات بين الطرفين مستقبلاً؟ وفيما لو وضعت، ما هي النتائج الممكنة؟

عند أخذ العامل الأمريكي والغربي عموماً، ودعمه الكبير لحزب الاتحاد الديمقراطي، يبدو أن ما لدى الروس من أوراق في هذا الملف ضعيفة، فتأثيرهم على هذا التنظيم يكاد يكون معدوماً أو معنوياً، وبالتالي لا يمكن للأتراك أن يعولوا كثيراً على موقف روسي على هذا الصعيد.

بمعنى آخر، إن رسائل أنوروفيتش دبلوماسية في غالبيتها، وغير قابلة للتحقيق على أرض الواقع، ولكن أهمها هو تراجع الروس عن ضرب القرى التركمانية التي تعتبرها تركيا حليفها الأقرب في سورية، أو غض طرفها عن استرجاع ما كان الروس قد أخذوه عسكرياً لحساب النظام من جبل التركمان والأكراد.

هل سيُسمح لتلك القوات بالتقدم أبعد من الحدود التي كانت عليها قبل التدخل الروسي؟ مازال الوقت باكراً لمعرفة هذا، ولكنه غير مستبعد، ولا بد من وضعه بالحسبان…

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *