ثائر الزعزوع /
استكمل ما كنت بدأته في الأسبوع الماضي، من نقاش هادئ حول مفهوم الهوية السورية، وأطرح تساؤلاتي التي تؤرقني، وقد تكون تؤرق الكثيرين سواي…
بعد أن افترضنا التقسيم إلى إقليمين عربي وكردي، يبرز على الضفة الأخرى احتمال لإقليم ثالث، لا يمكن إهماله، خاصة، وكما أسلفت، أن ثمة قوتين لا يمكن الاستهانة بهما هما روسيا وإيران، تسعيان لتوطيده وجعله أمراً واقعاً. هو الإقليم “العلوي”، أو تلك المنطقة التي تسمى سوريا المفيدة، وفق توصيف، لم يأت عبثياً، أطلقه بشار الأسد نفسه عام 2015، وقد قصد به تلك المناطق التي ما يزال قادراً على التحكم بها وإدارتها، والتي تعترف به رئيساً، إكراهاً أو اضطراراً، ليس مهماً، المهم برأيي هو أن الفرضية قائمة وغير مستبعدة، بل وهي الأقرب إلى التصديق. وهي المناطق الأقل تعرضاً للضرر عمرانياً واقتصادياً، بينما تحولت سوريا الضارة التي تحوي البيئة الحاضنة للإرهاب، وفق توصيف الأسد أيضاً، إلى خرائب تحتاج إعادة إعمارها لسنوات. وهنا أيضاً ينبغي التنبه لتفصيل صغير قد يكون غائباً عن الذهن، إذ لا يمكن الوصول إلى إنجاح محاصصة طائفية أو قومية في سوريا كما حدث في العراق أو لبنان اللذين تتقارب فيهما النسب بشكل ملحوظ، ويمكن بقليل من الخبث ترجيح كفة نسبة على الأخرى، كما حدث في الحالة العراقية حين تم التقسيم طائفياً بين الشيعة والعرب السنة، فيما تم فصل الكرد عن العرب قومياً على الرغم من أن معظمهم هم من السنة، وأما في سوريا ففي كل الحالات سيبقى العرب السنة أكثرية مطلقة، ولذلك فإن اللجوء إلى التمزيق سيبدو بالنسبة للأسد ومن يفكرون بطريقته، حلاً أكثر ملاءمة من أي حل آخر. مثلاً، من بين الأشياء التي طرحت على هامش المفاوضات أن يتم تقاسم السلطات، ولكن على أي أساس؟
يشكّل السنّة في سوريا نسبة سبعين بالمئة من عدد السكان، وهي النسبة نفسها التي يشكلها العرب، ففي محاصصة على أساس قومي سيكون للعرب “حصة الأسد”، وكذا الأمر بالنسبة للسنة إذا تمت المحاصصة وفق أسس طائفية، وعلى الرغم من بغضي لمثل هذه التصنيفات، وتمسكي بمبدأ الهوية الوطنية، إلا أنه لا بد من التفكير بكافة الاحتمالات، وطرح سؤال قد يكون مهماً جداً: هل سوريا دولة عربية أم دولة سنية؟ وهل ينبغي أن يكون مواطنوها عرباً، أم مسلمين سنة؟ أم يجب أن يكونوا سوريين وكفى دون أية تعليقات وشروح إضافية؟
دافعت في مرات عديدة عن فكرة الفيدرالية، باعتبارها قد تقنع “العقلاء” في الحفاظ على الجسد السوري متماسكاً، وعدم الانسياق وراء عبثية التقسيم التي لا أجد أنها ستخدم أحداً، إذ تنتفي قدرة أي “إقليم” من الأقاليم المقترحة على الاكتفاء بذاته، طبعاً لا تشبه الفيدرالية بأي شكل من الأشكال ما تم تنفيذه في المناطق الخاضعة لسيطرة بعض القوى الكردية، لأن الفيدرالية نظام يطبق في دولة مكتملة ومتماسكة لا في دولة تقترب من الجحيم أكثر فأكثر. والأهم أنه يتم باتفاق شعبي، لا بقرار ديكتاتوري. المشروع الفيدرالي قد يبدو ملائماً طرحه في المرحلة التي تلي إسقاط النظام، ونأمل ألا يتأخر ذلك أكثر، وعندها سيكون لزاماً علينا أن نخوض في جدال طويل، ولا أقول نقاشاً، حول مفهوم الهوية الوطنية، وكيف يمكن صياغة عقد اجتماعي متماسك يحافظ على تلك الهوية، ويحفظ حامليها، بمنحهم كافة الحقوق، فلا فضل لعربي على كردي أو شركسي، ولا لمسلم على مسيحي وبطبيعة الحال ولا لسني على علوي. هذه النقطة، أقصد العقد الاجتماعي، تبدو الجواب لكل التساؤلات التي سبق طرحها حول كيفية تشكيل هوية سورية جامعة، إذ إن الهوية تعترف بطبيعة الحال باختلاف مكوناتها، وهي تكتسب من خلال تلك المكونات المختلفة تنوعاً يعطيها قدرة على التجدد، وعدم التقوقع في إطار قومي أو ديني، فيكون ابن الرجل الكردي والمرأة العربية متساوياً بالضرورة مع المولود لأبوين عربيين أو كرديين، ويكون للدرزي الحقوق نفسها التي يمتلكها السني، وربما يبدو هذا الكلام بمجمله نظرياً ويصعب تطبيقه إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الشروخ الحادة التي حدثت في الحالة السورية، والتي أدت إلى التفكك، والتقسيم النفسي حتى الآن على الأقل. والمقصود بالتقسيم النفسي هو اقتناع الكثيرين بأنه إن لم يكن ثمة حل لإنهاء دموية الحالة ومأسويتها إلا التقسيم فليكن. في النهاية، لم يعد مفهوم الوطن برمته مهماً عند الكثيرين، طالما أن ثمة من اقتنع أصلاً بأن التخلي عن الوطن هو أمر وارد، بل والبحث عن جنسية أخرى تضمن له الاستمرار في الحياة ومقاومة الموت… قلت إن هذا نقاشاً هادئاً لا أقصد منه فرض شروط أو اقتراحات طوباوية على الناس، لكن ثمة سؤالاً يلح عليّ منذ سنوات: لماذا يسهل على المرء التخلي عن جنسيته أو “هويته” والحصول على جنسية أخرى، بينما يعتبر تغيير الديانة “ردة” ويستوجب القتل؟ وما الذي يجمعني حقاً بمسلم بريطاني تحول إلى داعشي وجاء يقتلني ويقتل سورياً مسيحياً مثلي؟ وهل أن عربياً يتواطأ مع نظام دمشق على أساس قومي هو أقرب إليّ من كردي سوري؟
لا أدري كم من “السوريين” الذين يشرعون في تمزيق الجسد السوري، قد طرحوا على أنفسهم مثل هذه الأسئلة، ولا أدري حقاً ما إذا كان أحد يفكر أصلاً في الهوية السورية…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث