الرئيسية / تحقيقات / رحلة السوريين الفارين إلى تركيا ..هروب من موت إلى موت

رحلة السوريين الفارين إلى تركيا ..هروب من موت إلى موت

حسام الجبلاوي - صدى الشام/

يعيش على الشريط الحدودي مع تركيا عشرات الآلاف من السوريين الفارين من قصف قوات النظام، ورغم إغلاق السلطات التركية جميع معابرها الحدودية الرسمية منذ مدة طويلة، وتشديد إجراءاتها الأمنية، إلا أن ذلك لم يمنع قوافل السوريين من محاولة اجتياز طرقات الموت يوميا، للوصول إلى تركيا هرباً من جحيم الحرب وطلباً للأمان والعلاج رغم المخاطر الأمنية الكبيرة التي تنتظرهم وتهدد حياتهم أثناء العبور.

 

تغيرت الظروف كليا على كامل الشريط الحدودي بعد تساهل السلطات التركية خلال الأعوام الماضية مع النازحين، وبدأت مع سيطرة تنظيم الدولة الاسلامية والفصائل الكردية على ريف الرقة وحلب، باتخاذ إجراءات أمنية لحماية حدودها، لا سيما مع توالي التفجيرات في أراضيها، فأغلقت منفذ حوار كلس، المعبر الأساسي لعبور النازحين في ريف حلب، وأتبعت ذلك بإقامة جدار عازل على الشريط الحدودي، بطول 350 كم وارتفاع 3 أمتار، وأصبح إطلاق النار أمرا مألوفا في هذه المناطق على مدار اليوم، ومعها تزايد سقوط القتلى وحالات الاعتداء والضرب على السوريين، وكان آخرها مقتل 11 شخصا منهم 7 أفراد من عائلة واحدة (رجل وسيدتان وأربعة أطفال) يوم الأحد الماضي، في قرية خربة الجوز، وهو ما اعتبره الكثير من السوريين إفراطا في استخدام القوة ضد اللاجئين.

 

اكتفت السلطات التركية بنفي التهم الموجهة لها بقتل المدنيين في الحادثة التي حصلت مؤخرا على الشريط الحدودي وراح ضحيتها 11مدنياً سورياً، ووصف المتحدث باسم الخارجية التركية “تانجو بلغيتش”، تلك الأنباء على أنها “لا تعكس الحقيقة”، موضحا في سياق رده على هذه الاتهامات أن هناك: “ضوابط تحرك القوات التركية هناك، والتي تعمل وفق أرضية قانونية حيال محاولات اجتياز الحدود بطرق غير قانونية”.

 

ولا تعتبر هذه الحادثة الأولى من نوعها، ففي 9 آذار من العام الحالي، اتهم ناشطون سوريون حرس الحدود التركي بقتل 9 أشخاص مدنيين أيضا، حاولوا عبور الحدود التركية قرب مدينة عفرين، كما لقي شاب من مدينة حلب مصرعه أثناء محاولته تجاوز الحدود التركية قرب أعزاز في حزيران من العام الفائت.

 

هاربون من الموت إلى الموت:

 

عند معبر خربة الجوز في ريف إدلب الغربي، يتجمع يوميا عشرات الواصلين من مناطق مختلفة بعضهم جاء من ريف حلب الشمالي، والرقة ودير الزور قاطعا مئات الكيلومترات في سبيل الوصول إلى هدفه الأخير تركيا. ورغم المخاطر الكبيرة، لا يكترث معظم هؤلاء بالتحذيرات والحدود المغلقة، والجدار الذي أقامته السلطات التركية لمنع وصولهم، على اعتبار أنهم عانوا مصاعب أكثر أثناء وصولهم حتى هنا.

 

يحاول النازحون هنا استغلال عوامل الطبيعة التي تتمتع بها المنطقة من منحدرات جبلية وغابات، قد تسهل دخولهم أكثر من المناطق الأخرى، ولهذا يعتبر ريف اللاذقية حاليا المكان الأكثر ملاءمة للعبور.

 

لا تعتبر حادثة مقتل 11 مدني على الحدود الأولى من نوعها، فقد اتهم ناشطون سوريون حرس الحدود التركي بقتل 9 أشخاص مدنيين في 9 آذار من العام الحالي، كما لقي شاب من مدينة حلب مصرعه أثناء محاولته تجاوز الحدود في حزيران من العام الفائت.

 

أيام عديدة يقضيها البعض في انتظار دورهم في المحاولة، يفترشون الأرض وينامون بين أشجار الزيتون في انتظار الوقت المناسب للدخول، وبينما تجري مفاوضات حثيثة مع المهربين لإنقاص السعر المطلوب والتأكد من سلامة الطريق، لا يتوفر للنازحين أي ضمان، فإما الوصول بنجاح أو السجن وضياع المال.

 

الكثير من القصص المؤلمة يرويها الواصلون حديثا إلى تركيا، ومنهم أبو ناجي، أحد أبناء مدينة دير الزور، والذي خرج برفقة أسرته من دير الزور قاصدا معبر خربة الجوز: “قضيت أكثر من عشرة أيام أتنقل بين البلدات والمدن حتى تمكنت من الوصول إلى الحدود. كانت رحلة شاقة تعرضنا خلالها لإطلاق النار وخطر القصف. وبعد وصولي إلى الحدود اتفقت مع المهرب على مبلغ 200 ألف ليرة سورية لإيصالي برفقة عائلتي المكونة من طفلين وزوجتي”.

 

ويكمل الرجل الأربعيني قصته بالقول: “بعد يوم كامل من الانتظار أبلغنا المهرب أن الاتفاق حصل مع عناصر الحاجز للتغاضي عن دخولنا، وانتهت رحلتنا بعد لحظات قليلة من محاولة العبور بإلقاء القبض علينا، وفرار المهرب حيث اعتقلنا داخل سجن هتيا ليومين، وكان مكتظا بالعوائل قبل أن يتم نقلنا إلى معبر باب الهوى حيث يتم كتابة تعهد من قبلنا بعدم محاولة عبور الحدود”.

 

ويضيف أبو ناجي: “عدت إلى ريف اللاذقية باحثا عن طرق جديدة، خضت أكثر من 3 محاولات فاشلة، وكنا نتعرض لإطلاق النار أحيانا. لم يكن لدي حل آخر بعد خروجي من دير الزور، وقطع كل هذه المسافات والمخاطر سوى أن أبحث عن مكان آمن لأسرتي، وبعد عدة محاولات نجحت بالدخول عبر اليمضية، رغم أن القرية قريبة من المعارك التي تجري بين قوات النظام والمعارضة”.

 

تتكرر حوادث الضرب يوميا في المعابر التركية وفق الناشط الاعلامي والصحفي بلال بيوش، والذي تعرض شخصيا وفق ما يروي إلى “ضرب مبرح أدى إلى تهشم أسنانه، وإتلاف كاميرته الشخصية وحاسوبه في معبر خربة الجوز”.

 

ويؤكد بيوش أن “حرس الحدود لا يميزون بين عجوز وامرأة ورجل، حيث تجري معاملة الجميع بسوء، ويوضعون في مراكز احتجاز تفتقر للظروف الإنسانية”.

 

مبررات تركية:

 

على الجانب الآخر، نفت الحكومة التركية في معظم تصريحاتها حدوث أي تجاوزات بحق اللاجئين السوريين، وأصرّت على أن هدف نشر مثل هذه الإشاعات هو “الإساءة لدور تركيا في ملف اللاجئين، رغم احتضانها لأكثر من مليونين ونصف المليون لاجئ سوري”.

 

نفت الحكومة التركية في معظم تصريحاتها حدوث أي تجاوزات بحق اللاجئين السورين، وقالت إن هدف نشر هذه الإشاعات هو “الإساءة لدور تركيا في ملف اللاجئين، رغم احتضانها لأكثر من مليونين ونصف المليون لاجئ سوري”.

 

وفي حديث خاص لـ”صدى الشام”، قال مسؤول أمني في الجيش التركي يعمل في منطقة بخشين الحدودية، وفضل عدم ذكر اسمه، إن “مقتل أسرة سورية قبل أيام على الحدود التركية، إن ثبتت صحته، لا يمكن إرجاعه إلا لعمل فردي، يجب أن تُفهم الظروف والأحوال التي جرى بها إطلاق النار”.

 

وأضاف الضابط التركي: “لدينا حق الدفاع عن النفس في حال تعرض الحدود لأي هجوم، وغالبا ما يقوم العناصر بإطلاق طلقات تحذيرية فقط، لكن البعض قد يرى من أي حركة قريبة خطرا يهدده، خاصة مع انتشار مقاتلي وحدات الحماية الكردية، وتنظيم الدولة على مسافة قريبة من الحدود التركية”.

 

ولم ينكر الضابط التركي سقوط ضحايا وتعرض البعض للضرب، ووصف الأمر بـ”المؤسف”، مؤكدا أن “سياسة الدولة التركية موجهة للتعامل مع اللاجئين بشكل إنساني، ولكن تطبيق ذلك يختلف بين منطقة وأخرى تبعا لمسؤول المنطقة”.

 

وفي إطار رده على ما أثير مؤخرا من اتهامات لحرس الحدود التركي بسوء معاملة النازحين وإطلاق النار عليهم، قال الصحفي التركي غانم تركماني، مراسل “وكالة الأناضول”، إن “تركيا تسعى لمنع عبور عناصر إرهابية من سوريا إلى تركيا أو العكس. كما أنها تريد منع مواطنين أتراك من قوميّات كرديّة من التوجّه إلى سوريا والقتال إلى جانب الفصائل العسكرية الكرديّة هناك، لأن ذلك سيشكل خطراً على تركيا في حال عودتهم إليها مجددا”.

 

في حين برر الصحفي التركي “محمد أون ألمش” على صفحته الشخصية عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، هذه الحادثة، بالقول: “الدرك التركي يطلق النار على كل من يحاول الدخول من الحدود في تلك المناطق”، وأضاف: “الأمر ليس خطأً فردياً، إذ أن تركيا دولة في حالة حرب، والأوامر الموجهة إلى الجنود على الحدود صارمة بهذا الخصوص”.

 

كما دافع الصحفي التركي المعروف في أوساط اللاجئين السورين، حمزة تكين، عن الجندرما التركية وقال إنها “تحمي حدودها، ولا تقتل الأطفال”، ورأى في الحملة الإعلامية الأخيرة على حرس الحدود التركي “ترويجا لخبر لا يمت للمصداقية بصلة”.

 

انتقادات حقوقية:

 

دفعت حادثة قتل المدنيين منظمات حقوقية ودولية إلى انتقاد أنقرة ودعوتها لفتح تحقيق، ووجهت لجنة “الحريات المدنية” التابعة للبرلمان الأوروبي، دعوة إلى الاتحاد الأوربي لمطالبة تركيا بفتح تحقيق في انتهاكات تتم على الحدود.

 

كما انتقدت منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية في تقرير صدر عنها يوم 10  أيار من العام الحالي، إغلاق الحدود التركية بوجه اللاجئين السوريين.

 

وأكدت المنظمة أن “رجال حرس الحدود التركية استخدموا في آذار ونيسان القوة المفرطة ضد سوريين ومهربين، حاولوا العبور إلى تركيا، ما أسفر عن مقتل 5 أشخاص بينهم طفل، وإصابة 14 آخرين”.

 

وعرضت “رايتس ووتش” في تقريرها العديد من الشهادات التي تؤكد حصول تجاوزات كبيرة من قبل الجندرما التركية، داعية “الحكومة التركية للتحقيق العاجل بها، واستقبال اللاجئين الفارين من الموت والتمييز بينهم وبين الإرهابيين”.

 

وأغلقت تركيا المعابر بشكل كامل في آذار 2015 بوجه المسافرين، وسمحت بعبور شاحنات المساعدات الإنسانية والتُجار المرخص لهم بالعبور، كما سمحت بعبور السوريين المصابين بإصابات حرجة، والذين لا يمكن علاجهم في سوريا.

 

وتعتبر تركيا من الدول الموقعة على اتفاقية جنيف بشأن اللاجئين لعام 1951، لكن مع قيود جغرافية لا تعتبر إلا الهاربين من أوروبا لاجئين. لكن في ظل القانون الدولي العرفي للاجئين، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، يرى حقوقيون أن على تركيا احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر على الدول إعادة أي شخص إلى مكان يواجه فيه خطر الاضطهاد أو التعذيب أو المعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة. كما يحظر هذا المبدأ رفض طالبي اللجوء على الحدود، إذا عرّضهم الرفض لهذه التهديدات.

 

فساد على الحدود:

 

ومع صعوبة الوصول عبر المعابر غير النظامية، انتشرت مؤخرا طرق بديلة للدخول إلى تركيا، وذلك عبر دفع رشاوى ومبالغ مالية كبيرة لمسؤولي النقاط الحدودية، أو عن طريق المعابر الرسمية، حيث وصل بعض هذه المبالغ إلى 800 دولار لكل شخص.

 

وتنتشر الكثير من الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي تقدم عروضا لإيصال الراغبين إلى الأراضي التركية، ومنها هذا المنشور على إحدى صفحات ولذي تضمن قائمة أسعار جديدة قبل أيام، وهي: “طريق تهريب المشي 15 دقيقة واصل للريحانية 400 دولار، طريق تهريب المشي 1.5 ساعة واصل لأنطاكيا 325 دولار، طريق نظامي خط عسكري المشي 10 دقائق حتى الريحانية 800 دولار”.

 

تنشط حاليا حركة الاتجار بالنازحين الراغبين بالدخول إلى تركيا، وتقوم على وجود تعاون بين مهربين وبعض الضباط الأتراك، أو مسؤولي المعابر الحدودية. لكن نتائج هذه المحاولات غير مضمونة في أغلب الأحيان، ما أنها تحمل مخاطر حقيقة قد يواجهها العابرون.

 

ويصف البعض تجارة النازحين حاليا “بالرائجة”، وتقوم على وجود تعاون بين مهربين وبعض الضباط الأتراك، أو مسؤولي المعابر الحدودية، وتصل في بعض الأحيان لأرقام كبيرة تتعدى 1000 دولار.

 

ويؤكد أحد العاملين في هذا المجال ممن تواصلنا معهم بصفة غير رسمية، إمكانية الدخول من أحد المعابر التي لم يسمها، لقاء مبلغ 400 دولار لكل شخص، على أن يتم دفع المبلغ بعد الوصول إلى الأراضي التركية.

 

حلول ممكنة:

 

رغم الوعود المتكررة من قبل السلطات التركية حول مناقشة مسألة فتح المعابر الرسمية في مرات عديدة، إلا أن أيا منها لم ينفذ حتى اليوم، باستثناء السماح للمقيمين السوريين في تركيا بزيارة عوائلهم في أيام عيد الفطر.

 

ويرى الناشط الحقوقي عروة السوسي، أن “تركيا تواجه ضغوطا كبيرة في مسألة اللاجئين نتيجة زيادة أعدادهم، وعدم استقرار الوضع الأمني في مدنها”، مضيفا أن “فشل الاتفاق مع الاتحاد الأوربي بخصوص اللاجئين عقد الأمر أيضاً على استقبال مزيد من السوريين”.

 

ويؤكد السوسي أن بإمكان تركيا “المزواجة بين مخاوفها الأمنية، واستقبال النازحين، من خلال استقبال أعداد محدودة يوميا يتم بحث حالاتهم بشكل فردي مثلما يتم في دول أوربية، وإمكانية تقديم حق اللجوء لهم”.

 

وفي السياق نفسه، طالب السوسي بمراعاة حالة السوريين المسافرين إلى دول أخرى عبر تركيا، والسماح لهم بالدخول في حال عرض وثائقهم الرسمية، موضحا أن “هذه الفئة الكبيرة تعاني يوميا في المعابر غير الشرعية ومعظمهم من النساء والأطفال ممن يودون الالتحاق بأزواجهم وأسرهم في أوروبا”.

 

وتستقبل تركيا على أراضيها نحو ثلاثة ملايين سوري فروا من القتال منذ اندلاع الحرب قبل خمس سنوات، يعيش نحو ربع مليون منهم في مخيمات اللاجئين.

 

وذكرت دراسة مشتركة أعدها اتحاد جمعيات أصحاب الأعمال (TİSK) التركي ومركز أبحاث السياسات والهجرة في جامعة هاجيتيبه (HÜGO)، أن تكلفة استضافة اللاجئين على الحكومة التركية بلغت 7.6 مليار دولار، كان 95 بالمئة منها مقدماً من الحكومة التركية.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *