الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / أوروبا والصدمة البريطانية في ميزان الأرباح والخسائر

أوروبا والصدمة البريطانية في ميزان الأرباح والخسائر

سقراط العلو - صدى الشام/

“يبدو أنه يوم حزين لأوروبا والمملكة المتحدة”، بهذه الكلمات أعرب وزير الخارجية الألماني عن قلقه العميق بعد صدور نتائج الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. لكن لا يمكن حتى الآن تقدير حجم المخاطر وراء هذه الخطوة. الشيء المؤكد هو أن فوز المعسكر المؤيد لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، سيشكل منعطفاً حاسماً في مسار كلا الطرفين.

إن كل الآراء ووجهات النظر حول مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، مبنية بالدرجة الأولى على أساس منهج اقتصادي، أي أنها تنظر إلى الحدث على أساس التكاليف والأرباح التي سيتركها، فما الدوافع البريطانية؟ ولماذا تلك المخاوف الأوروبية؟

الدوافع البريطانية

خلال العقد المنصرم، عاشت الاقتصادات الكبرى أزمة مالية واقتصادية ثقيلة وما زالت تبعاتها تؤثر حتى الآن. طريقة تعامل المؤسسات الكبرى وصانعو السياسات المالية حول العالم شابها الكثير من عدم الكفاءة، وفشل الاتحاد الأوروبي من خلال ذراعه المالي المتمثل بالبنك المركزي الأوروبي (ECB)، في حل معضلات هيكلية في الاقتصادات الأوروبية كمعدلات البطالة المرتفعة وتدني معدلات الفائدة وصولاً إلى اعتماد الفائدة السلبية والفشل في الوصول إلى أهداف نمو أسعار المستهلكين (التضخم) إلى مستويات 2%.

كما لم تتحقق طموحات الاتحاد الأوروبي في تمكين الدول الصغيرة أو ما يسمى بـ” الأسواق الطرفية” في بولندا وقبرص وهنغاريا واليونان، وإلى حدٍ ما في إيرلندا والبرتغال من تحقيق معدلات نمو اقتصادي نموذجي، الأمر الذي دفع أعداد ضخمة من سكان أوروبا الشرقية الفقيرة للبحث عن الوظائف في أوروبا الغربية الثرية وبالأخص بريطانيا بسبب برامج الضمان الاجتماعي السخية جداً. فالبريطانيون باتوا يشعرون بأن الاتحاد بات عبئاً ثقيلاً عليهم، وأنه أصبح أكثر تدخلاً وتقييداً لحياة الأوربيين مما كان متوقعاً، لذا لابد من استعادة بعض السلطات التي تخلت عنها بريطانيا للاتحاد الأوربي والانعتاق من سيطرة منطقة اليورو على مجريات اتخاذ القرار في الاتحاد الأوربي، بالإضافة إلى ذلك تعتقد بريطانيا أن نمو الاقتصاد الأوربي من خلال الاتحاد قد توقف تقريباً في مقابل نمو اقتصادات صاعدة مثل الصين والهند. وأخيراً كان موضوع الهجرة هو القشة التي قسمت ظهر البعير، حيث يرى البريطانيون أن قوانين الاتحاد الأوروبي هي السبب في تدفق المهاجرين إليها، مما أثر على المستوى المعيشي والنسيج الاجتماعي، وخصوصاً مع عدم تنفيذ مطالب بريطانيا من الدول الأوربية بخصوص آلية التحكم بتدفق المهاجرين إليها.

يرى البريطانيون أن قوانين الاتحاد الأوروبي هي السبب في تدفق المهاجرين إليها، مما أثر على المستوى المعيشي والنسيج الاجتماعي، وخصوصاً مع عدم تنفيذ مطالب بريطانيا من الدول الأوربية بخصوص آلية التحكم بتدفق المهاجرين إليها.

ويُعد الاقتصاد البريطاني من أكبر الاقتصادات في العالم -بناءً على بيانات البنك الدولي- إذ احتل المرتبة السابعة اقتصادياً في عام 2011 بعد اقتصاد كل من أمريكا والصين واليابان وألمانيا وفرنسا والبرازيل، ثم احتل مرتبة البرازيل أي أصبح في المرتبة السادسة في عاميّ 2012 و2013، ثم بلغ المرتبة الخامسة في عاميّ 2014 و2015 بعد كل من أمريكا والصين واليابان وألمانيا، وهذا يعني أنه اقتصاد متقدم ومستمر بالتقدم.

كما وأن معدلات النمو الحقيقي للاقتصاد البريطاني قد ارتفعت من 1.9% في عام 2010، مروراً بـ 1.6% و0.7% و1.7% في عام 2011 و2012 و2013 على التوالي، إلى أن بلغ 2.9% في عام 2014، وبالمقابل نلاحظ أن معدلات النمو الحقيقي لمنطقة اليورو التي تتكون من 17 دولة وهي جزء من الاتحاد الأوربي المكون من 28 دولة، قد بلغت نسبتها 2.0% في عام 2010، ومروراً بـ 1.6% و – 0.8% و- 0.5% في عام 2011 و2012 و2013 على التوالي، وانتهاءً بـ 0.9%، وهذا ما يعني أن الاقتصاد البريطاني ينمو بوتيرة أسرع من الاقتصاد الأوربي بأكثر من ثلاث أضعاف نمو منطقة اليورو.

آثار الخروج على الاقتصاد الأوربي

إن زيادة نمو الاقتصادي الأوربي -الذي يعاني من الانخفاض حالياً- يعني زيادة في إنتاج السلع والخدمات الأوربية في السنة الواحدة، الامر الذي يحتاج المزيد من الأيدي العاملة البريطانية من أجل إنتاجها، وفي نفس الوقت يحتاج الاقتصاد الأوربي مزيد من الأسواق لتصريف منتجاته الفائضة عن الحاجة المحلية وخاصةً أسواق بلدان الاتحاد الأوروبي وخصوصاً السوق البريطاني كون سكان بريطانيا يحتلون المرتبة الثانية بعد ألمانيا ضمن الاتحاد، فتعدادهم يبلغ 64.96 مليون نسمة و الذي يشكل تقريباً 13% من سكان الاتحاد الأوروبي البالغ 508.5مليون نسمة في 2015، كما أن بريطانيا تحتل المرتبة الخامسة اقتصادياً على مستوى العالم من ناحية، وهي أحد أعضاء الاتحاد الأوروبي، وبالتالي تكون هناك انسيابية في حركة السلع والأيدي العاملة من الاتحاد وإليها من ناحية أخرى، ولهذا فخروج بريطانيا يعني خسارة الاقتصاد الأوروبي للسوق البريطاني.

وتعد بريطانيا شريكاً تجارياً مهماً بالنسبة للاتحاد الأوروبي، إذ تشكل الصادرات الأوروبية لبريطانيا 3% من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط ما بين 2010 و2014، كما أن 50% من الصادرات البريطانية تذهب الى دول أوروبا.

وجدير بالذكر أن الميزان التجاري يتمتع بفائض تجاري لصالح الاتحاد الأوربي، أي أن الاتحاد الأوروبي يصدّر لبريطانيا أكثر مما يستورد منها، ويقدر حجم الفائض بـ 56 مليار جنيه استرليني، فنمو الاتحاد الأوروبي سيتأثر سلباً من خروج بريطانيا.

أما على صعيد موازنة الاتحاد الأوروبي فستخسر 9 مليار جنية استرليني سنوياً جراء خروج بريطانيا من الاتحاد، إذ أن بريطانيا تدفع 19 مليار جنيه وتحصل على 10مليار جنيه عبر قنوات مثل دعم الزراعة، وفي حال أرادت بريطانيا البقاء في السوق الموحدة الأوروبية فعليها أن تستمر في دفع التعويضات للاستفادة من هذه الميزة، والتي تصل الى 3.5 مليار جنيه استرليني تقريباً، وعلى هذا النحو تخسر موازنة الاتحاد 5.5 مليار جنيه استرليني.

إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يعني حرمان اقتصاده من الصدارة على مستوى العالم وفقدان هيبته وقلة ثقة المستثمرين فيه، كما يعني أيضاً زيادة القيود على انتقال الأشخاص والسلع والخدمات إلى بريطانيا.

إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يعني حرمان اقتصاده من الصدارة على مستوى العالم وفقدان هيبته وقلة ثقة المستثمرين فيه، كما يعني أيضاً زيادة القيود على انتقال الأشخاص والسلع والخدمات إلى بريطانيا، فعلى سبيل المثال توصلت دراسة للمنظمة البحثية الألمانية إلى ” أن الاقتصاد الألماني سيتكبد خسائر تتراوح ما بين 6.2 مليار استرليني و41 مليار استرليني.

كما يمكن أن يجعل خروج بريطانيا الاقتصاد الأوروبي عرضة للانهيار في المستقبل، بسبب البلدان الأخرى التي سترغب بالانسحاب من الاتحاد كما فعلت بريطانيا، وخصوصاً إذا ما لاحظت تلك البلدان أن بريطانيا بعد انسحابها من الاتحاد قد تطورت وتقدمت بشكل أفضل مما كانت عليه سابقاً ضمنه، وهذا ما سيدفع بالسوق الأوربية الموحدة إلى حالة من الفوضى.

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *