بشّر المبعوث الدولي الجديد إلى سوريا ستيفان دي مستورا السوريين بمبادرة جديدة بعد مضي نحو أربع سنوات على بدء الثورة السورية ضد نظام الأسد، يخبرهم فيها أنه يسعى إلى إقامة مناطق مجمّدة في سوريا، انطلاقاً من خطة تقوم على خفض مستوى العنف وتحسين وصول المساعدات الإنسانية وزرع بذور عمليّة سياسية.
ولعل الدبلوماسي الإيطالي السويدي أراد أن يستذكر أيام العراق قليلاً، عندما عمل كممثل شخصي للأمين العام للأمم المتحدة، وحرص على إظهار الجانب الإيجابي للعراق وفرص تعافيه، مركّزاً على دور الأمم المتحدة الخفي في تزويد العراقيين بمستوى حياة أفضل، أو أراد أن يسقط ما حدث في البوسنة والهرسك على سوريا، حين حُدّدت مناطق آمنة تخلو من العنف، نشأ فيها حكم محلي للأفراد، لكن دي مستورا نسي ربما أن سوريا ليست العراق والتي تعيش أسوأ أيامها ولا البوسنة والهرسك التي أتخمت بالمجازر، وأن مجموعة العمل من أجل سوريا أصدرت في الثلاثين من حزيران 2012، بياناً ختامياً بعثه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى رئيسي الجمعية العامة والأمم المتحدة، أهم ما جاء فيه، إقامة هيئة حكم انتقالية باستطاعتها أن تُهيّئ بيئة محايدة تتحرّك في ظلها العملية الانتقالية، وأن تمارس هيئة الحكم الانتقالية كامل السلطات التنفيذية، ويمكن أن تضم أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة ومن المجموعات الأخرى، ويجب أن تُشكّل على أساس الموافقة المتبادلة.
ويبدو طرح المبعوث الدولي في هذه المرحلة التي تشهد تفوُّقاً عسكرياً بالنسبة لقوات الأسد على المعارضة العسكرية أشبه بأعطية تُقدّم على طبق من ذهب لنظام يرتكب المجازر منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وربما تساهم في تفرغه لتنفيذ أحلامه في اقتحام جوبر والسيطرة على الغوطة الشرقية لإتمام منافذ العاصمة، وصدّ تقدُّم الثوار في درعا، والذين يحاولون كسر الحصار عن الغوطة الشرقية، ناهيك عن إسقاط فكرة الدولة بالمفهوم العام والترويج لفكرة التقسيم عبر احتفاظ كل طرف بمواقعه وتضليل جنيف1 عبر فصل العملية السياسية عن العملية العسكرية.
وربما كان من الأفضل لتجميل المبادرة أن تتخذ من كامل سوريا مناطق مجمّدة بدلاً من تجزئتها، ولكن لو كان المسؤول الدبلوماسي حريصاً على وضع حدٍّ لنزيف الدماء، لروّج للمشروع التركي الذي يسعى إلى إقامة مناطق عازلة بهدف احتضان اللاجئين فيها، فالمدنيون هم الخاسر الأكبر دائماً في أية حرب.
ويبقى أن نشير أنه حتى لو نجح الدبلوماسي الإيطالي في إقامة مناطق مجمّدة، عبر خفض مستوى العنف وتوصيل المساعدات الإنسانية، فإنه لن يضمن حصد البذور التي يريد زراعتها، ونحن نتكلم هنا عن مراحل قد تمتد لسنوات عدة، وكأن دي مستورا، يريد أن يخبرنا أن هذه الخطة، ليست سوى كلمة حق يُراد بها باطل، وعلى السوريين أن يودّعوا حلاً سياسياً في سوريا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث