مرهف دويدري
استطاع بعض السوريين الذين يتلقون كلّ يوم عشرات القذائف أن يستفيدوا من هذا القصف عبر تجارة جديدة تدرُّ عليهم دخلاً لا بأس به لإعانتهم على حالة الفقر المدقع التي بدأت تنهش البلد إلى درجة أن أكثر من 8 ملايين من السوريين تحت خط الفقر الأدنى، الذي تقدره الأمم المتحدة بـ2 دولار في اليوم للفرد.
وحسب إحصائيات الإسكوا أن أكثر من 18 مليون سوري تحت خط الفقر الأعلى وأكثر من 4 ملايين سوري هم تحت خط الفقر الغذائي، ما ينذر باحتمالات حدوث مجاعة ستكون الأولى في سوريا في العصر الحديث حسب تقارير أممية حديثة، فيحاول السوريون التغلب على أرقام هذه التقارير من خلال أعمال بدائية من حيث الشكل إلا أنها تنقذ ما يمكن إنقاذه عبر تجارة مخلفات القذائف والتجارة بها تبدأ من جمع المخلفات الى صهرها، وربما إعادة تصنيعها مرة أخرى.
شر لابد منه..
كلّ يوم يتجدّد القصف على المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام بعشرات القذائف التي تدمّر المباني لتقتل المدنيين الذين لا ذنب لهم في هذه الحرب الدائرة بين مئات الفصائل المقاتلة، وبعد نهاية كلّ قصف يخرج الناس لإنقاذ من كان تحت الدمار وهناك من يخرج لجمع مخلّفات القصف من قطع معدنية ليتحوّل جمع هذه القطع إلى عمل يومي.
يقول أبو خالد المقيم في إحدى قرى الريف الشرقي في محافظة إدلب، “كان لدي محل لبيع المواد الغذائية والمنظفات إلا أن القصف اليومي أصاب المحل، واحترق بالكامل، وكان لابد من البحث عن عمل، والحقيقة هذا العمل كان هو الوحيد المتاح، فبدأت به منذ أشهر طويلة، ويؤمن لي دخلاً لابأس به”. فيما يقول أبو همام من ريف مدينة سراقب في محافظة إدلب أنه “عمل متعب جداً خاصة عليك أن تبحث في أماكن الدمار على هذه المخلفات، وربما تتعرّض إلى انهيارات الجدران المتداعية، ويمكن أن تصاب ببعض الكسور أحيانا إلا أنها تعيننا على الحياة والغلاء من دون رأس مال، وفي الحقيقة لم يعد لدينا مدخرات”.
أما أبو سعيد وهو من سكان ريف حماه الشمالي، فيقول: “لم يعد أمامنا إلا أن نجمع ما يقتلوننا به، نحاول أن نجمع ما تيسّر من مخلّفات غير قابلة لإعادة تصنيعها قذائف لقصف مناطق النظام، ونبيعها لتجار الخردة الذين امتهنوا هذه المهنة من جديد، نبيعهم كل شيء غير أن هناك متاعب هائلة في هذا العمل”.
أخطار يومية ..
ربما كانت الأخطار التي يواجهها مَن يعمل في جمع مخلّفات القذائف قد لا تذكر بالمقارنة مع القصف المدفعي والصاروخي، أو الغارات الجوية وبراميل الموت إلا أن هذه الأخطار تبقى واردة في ظل العمل بين الانقاض والركام الذي يخلفه كل قصف، ومن أهم هذه المخاطر التي يتحدث عنها أبو همام، “المخاطر التي نواجهها كثيرة في الحقيقة، أهمها أن بعض مخلفات القنابل العنقودية التي لم تنفجر، هذه القنابل الصغيرة تتحول إلى ألغام ضد الأفراد كما يسمونها العسكريين وما إن تلامسه حتى ينفجر، وأحياناً يقتل الشخص الذي يصيبه وعلى الأغلب الأطفال الذين يعملون مع آبائهم وتنفجر بهم يتعرّضون إلى بتر أطراف في أحسن الأحوال، وقد يقتل بسبب القنبلة وبالتالي موت بالقصف بطريقة غير مباشرة”.
لكن أبو سعيد يعتبر هذه الأخطار طبيعية وممكنة جداً حيث يقول: “لا أعتقد أن هذه الأخطار التي نتعرض لها ونحن نجمع المخلفات تجعلنا نتخلى عن جمعها، فنحن كل يوم نرى الموت عشرات المرات، ونتعامل معه بشكل يومي تقريباً كل يوم يتم تشييع شهيد بسبب القصف، لقد أدمنّا الموت، ولم يعد يعنينا كثيراً لذلك أنا لا أهتم لهذه المخاطر”.
أما أبو خالد فيعتبر ما يحدث هو حالة من الموت البطيء، إذ يقول: “أعتقد أن ما يحدث لنا هو موت بطيء سواء أكان بالقصف أو عند انفجار أية قنبلة عنقودية بمعنى أنت تستيقظ عند الصباح لا تعرف هل تعود الى الفراش للنوم أم ستموت في هذا اليوم، لهذا لا أبالي بأي شيء لا الحياة ولا الموت”.
بضاعتهم رُدَّت إليهم
تصل تلك المواد إلى الورشات التي تعيد تدوير هذه المخلفات، وتصنع منها قطع تبديل أو أسلحة سواء أكان للعمل التجاري أو الحربي، فإن الهدف منها هو ضرب النظام الذي يستهدف كل شيء، يقول عبد اللطيف صاحب ورشة لخراطة المعادن: ” أشتري هذه الخردوات من تاجر وسيط، وأحتاج إلى هذه المخلفات في كثير من الأحيان لقلة المواد الأولية، لذلك جهزت فرناً لصهر المعادن بطريقة بدائية وقوالب لصب هذه المعادن، ثم أعمل عليها حسب الطلب من أجل تصنيع قطع تبديل نستخدمها في ترميم السيارات أحيانا أو العربات العسكرية التي تتعرض للضربات المتكررة من الرشاشات الثقيلة، خاصة وأن هذه المواد جيدة بسبب المواد الاولية التي تصنع منها”.
ويضيف عبد اللطيف “أثبتت هذه المواد المصنعة من جديد فعاليتها لذلك بدأ الطلب منها في تزايد كبير وبالتالي زاد عدد التجار الذين يعملون في هذه التجارة”.
أما المهندس العسكري أسامة يشرح لـ” صدى الشام” عن إعادة تصنيع مخلفات القذائف: “لم يبق أمامنا إلا هذه الطريقة لصنيع أسلحتنا التي لم تصلنا والتي وعدتنا بها معظم الدول. الطرف الوحيد الذي يساعدنا في قصف النظام وقتاله هو النظام، كلما قصفنا بأسلحته أعدنا تصنيعها ورددناها عليه بأقوى. هذه الحالة التي نعيشها بعد أربع سنوات على الثورة”.
تجارة رائجة لكن..
من الطبيعي أن تكون لكل تجارة تجار يمتهنونها دون سواها، إما لأنها رابحة أو أنه خبير بها، وهذا ما يحدث في مثل هذا النوع من التجارة التي لا قوانين فيها وأسعار محددة. فكل شيء فيها حسب العرض والطلب وضمير من يشتري، ومن يبيع، حيث يؤكد أبو عدي وهو تاجر لمواد الخردة امتهنها كتعويض عن ما فقده من تجارة، “كنت أعمل في تجارة المنظفات وفقدت كل شيء، و لم يبق لي سوى السيارة التي أعمل عليها، فبدأت أشتري مخلفات القصف، وأبيعها لورشات التصنيع، في الحقيقة لا أهتم كثيرا ماذا تصنع المهم أن أعيش من هامش الربح الذي أحصل عليه”.
ويضيف أبو عدي، “أحياناً يكون الربح جيداً، وأحياناً أخرى لا يغطي تكاليف النقل من محروقات وشراء الطريق” و يشرح أبو عدي عن ما يسمى شراء الطريق، “عندما أنقل أي شحنة من قرية إلى أخرى أمرُّ على عدد كبير من الحواجز. بعضها يأخذ ما يسمى ثمن حماية الطريق، وعلينا أن ندفع مرغمين، وهذا ما يزيد الأعباء في نقل هذه المواد، وربما تكون السيارة هي ثمن الطريق و أحياناً حياتك”.
يقول محمود الذي يعمل بهذه التجارة منذ بدايات القصف على بلدته في ريف إدلب الشرقي “المشكلة أن مناطق النفوذ تتغير بمعنى أن هذه المنطقة، ولتكن معصران تسيطر عليها إحدى كتائب الجيش الحر. بعد فترة قد تقع بيد جبهة النصرة، وربما بعدها بيد تنظيم الدولة، وهكذا وبالتالي فالعمل ضمن هذه الظروف خطر، وقد ندفع حياتنا ثمناً لهذه التجارة، ولكن لا مفر فلا بد من العمل ضمن هذه الظروف القاتلة”.
الأطفال ضحية..
لعل من أهم ضحايا الحروب هم الأطفال، فمن لا يموت منهم بالقصف اليومي يموت بالقنابل العنقودية التي تنفجر عند البحث عن مخلفات هذه القذائف التي يبادلونها بالخبز أو ببعض الحبوب من أجل الحياة المؤقتة، التي ربما تنتهي مع قذيفة أو قنبلة دفينة تنفجر في لحظة سعادة، حين يفرح الطفل بأن ما يبقي على حياته ربما بوسائل مماته.
وحسب الإحصائيات الدولية أن سوريا هي أخطر بلد في العالم على الأطفال، وقُتل في سوريا قرابة الـ 17 طفل بأسلحة فتاكة أو تفجيرات.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث