د.رفعت عامر
بعد مرور نحو أربع سنوات على بداية الثورة السورية، شهدت القضية السورية تحوُّلاً في الشكل والمضمون على مسارها الوطني الديمقراطي من محاربة الاستبداد السياسي إلى صراع اختلط فيه المحلي مع الإقليمي والدولي وعلى أرضية تشكيلات وتكوينات تاريخية ما قبل وطنية كانت قد شكلت حافزاً لظهور الاستبداد الديني وانبعاثه من جوف التاريخ.
انحرفت الثورة السورية عن مسارها المعادي للاستبداد السياسي والفساد إلى مسارات تنعش الاستبداد بكل أشكاله، وهُدِّم ما تبقّى من مقوّمات الدولة التي أسس لها السوريون في المرحلة ما بعد الاستقلال.
النظام وبدعم من حلفائه الإقليميين والدوليين، والمواقف السلبية للدول الصديقة (المدعية دعم الشعب السوري) والدور السلبي للمال السياسي الخليجي، وغياب الدور الفاعل للمعارضة الوطنية، كانت عوامل مجتمعة مع بعضها جعلت من الساحة السورية مركزاً يستقطب الجميع من الداخل والخارج لتصفية حسابات ومساومات وأجندات، وكان الخاسر والغائب الوحيد فيها الشعب السوري والذي دفع الغالي والثمين للخلاص من نظام الاستبداد والفساد حالماً بزمن سوري جديد يقف اليوم أمام تساؤل كبير: ما العمل؟ ما هو البديل؟
لقد أحدث البركان السوري تغيُّراً جذرياً على البنية الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية للوطن السوري، وتصدّعت كلّ حوامل الاستقرار الشكلي الذي ميّز حقبة الأسدين، ولكن البديل المرغوب لم يحضر بعد وعلى الأخص في الحقل الاقتصادي وعلى مستوى محاربة الفساد المالي والإداري الذي كان سبباً رئيسياً في تهميش السوريين وإفقارهم.
اقتصاد النظام المافياوي المحكوم بآليات الفساد المطلق تحول بعد الثورة إلى اقتصاد حرب ونزاع يحكمه أمراء حروب وعصابات نهب وسطو وخطف، تُرك مصير الناس فيه ومستقبل سوريا الاقتصادي لمشاريع الأعمار ومخططات دول وشركات ورجال الأعمال وأجنداتهم الخاصة، همُّهم الأول والأخير مصالحهم وحصصهم من الكعكة السورية مستخدمين لذلك وكلاء من أفراد ومؤسسات تابعة للنظام والمعارضة كل على حدة، وأحياناً معاً يؤدون موضوعياً بقصد أو غير قصد، وعوا ذلك أم لم يعوا الوظائف المطلوبة منهم بما يحقق مصالح تلك القوى.
وللمفارقة مارست المعارضة السورية العسكرية منها والسياسية الآليات نفسها، والنهج والعقل والثقافة التي مارسها نظام الاستبداد والفساد في سوريا على مدار 43 عاماً نفسه، والفارق الوحيد بين فساد النظام وفساد المعارضة هو في الكم، وليس في النوع.
تحتوي سوريا على مقوّمات وموارد مادية وبشرية ممتازة كان يمكن لها أن تكون في مصافي الدول التي حققت طفرة اقتصادية وتنموية كتركيا وماليزيا وكوريا الجنوبية، لو توفرت الرغبة والإرادة السياسية أولاً وإدارة اقتصادية ناجحة ثانياً وسياسات اقتصادية موجهة لتحقيق التنمية البشرية والإنسانية ثالثاً، إلا أن هذا لم يحدث في عهد الأسدين وتوقُع إمكانية حدوثه في الأمد المنظور غير وارد بسبب ضعف المعارضة وهزا لتها (ائتلاف وحكومة مؤقتة ووحدة تنسيق الدعم) سوء الإدارة وتفشِّي المحسوبية وتورطها بالمال السياسي والفساد وغياب الرؤية والأهداف الواضحة والخطط والبرامج.
كل ذلك جعلها عاجزة عن قيادة الشعب السوري نحو الهدف المنشود. أما مشاريع القوى التكفيرية الظلامية مهما حملت من قوة الحضور حالياً فهي لا تملك إمكانية الاستمرار مستقبلاً لغياب الحاضنة البشرية لمشاريعها وأهدافها في الثقافة والبيئة الاجتماعية السورية.
إن أهم وأعقد ملفات بناء الدولة بعد سقوط الأسد هو إدارة ملف الاقتصاد السوري الذي يحتاج لعمل جاد وتحضير لا يجوز إهماله أو تأجيله إلى ما بعد سقوط النظام حتى لا تُفرَض علينا فجأة مشاريع الدول ومؤسساتها التي بدأت تشتغل على هذا الملف مع بداية الثورة.
ولهذا نحتاج اليوم إلى:
توفير قاعدة بيانات ومسح إحصائي دقيق عن السوق والقطاعات الاقتصادية والفرص الكامنة والاحتياجات، حيث لم يعد ممكناً الاعتماد على البيانات والمعلومات والأرقام المتوفرة لدى النظام الفاقد للمصداقية.
توفير البنية التشريعية والقانونية لعمل مؤسسات المعارضة.
تنويع التمثيل في مؤسسات المعارضة بما يفك استيلاء جماعة إسلامية على المؤسسات ومراكز صناعة القرار فيها.
تشكيل المرجعيات القانونية والمؤسساتية للرقابة على أداء مؤسسات المعارضة المالي والإداري والاقتصادي.
الدعم والتوجيه لتأسيس السلطة الرابعة (الإعلام) مستقلة مالياً وإدارياً ومهنياً.
تحديد الرؤية والأهداف العامة والتفصيلية ووضع الخطط والبرامج والمهام بجدول زمني محدد.
وأخيراً يكمن القول إن البلاء الرئيسي لسوريا على مدار سنوات حكم الأسد حتى يومنا هذا هو الفساد ومحاربته والخلاص منه هو الكفيل بإعادة وضع قطار الثورة على السكة الحقيقية.
إن الانتهاء من الفساد في سوريا لا يبدأ كما يعتقد الغالبية من السوريين بقطع رأس الأفعى. لقد بينت تجربة الأربع سنوات الماضية أن هذه الأفعى لها أكثر من رأس، لا بل أية قطعة منها يمكن أن تتوالد وتشكل رأساً من جديد، لأن الأساس الموضوعي والذاتي لمحاربة الفساد لم يتوفر بعد. وعندما تجد في الحكومة المؤقّتة هيئة بعنوان “هيئة الرقابة والشفافية” تأسست بهدف مراقبة الأداء المالي والإداري والاقتصادي للحكومة، ولا تملك هذه الهيئة أية استقلالية مالية وإدارية وتتبع لرئيس الحكومة مباشرة، هل يمكن بعد ذلك ألا تقول: “حاميها حراميها”
باحث اقتصادي وأستاذ جامعي
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث